د. محمد صديق خوشناو
من واقع تجربة امتدت ستة عشر عامًا في رئاسة جامعة حكومية ثم جامعة أهلية، أجد من واجبي، بوصفها مسؤولية أكاديمية وأخلاقية، أن أبدي رأيًا مهنيًا بشأن القرار الأخير لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي المتعلق بتنظيم واقع الكليات والأقسام الطبية.
لقد علمتني هذه التجربة أن التميز في التعليم العالي لا تحدده هوية المؤسسة، حكومية كانت أم أهلية، وإنما تصنعه جودة التعليم، والالتزام الصارم بمعايير الاعتماد الأكاديمي، وكفاءة أعضاء الهيئة التدريسية، وتوافر البيئة التعليمية والبحثية القادرة على إعداد خريجين يمتلكون العلم والكفاءة وروح المسؤولية.
ومن هذا المنطلق، فإنني أنظر إلى هذا القرار بوصفه خطوة إصلاحية مهمة تستحق الدعم، إذا كان يهدف إلى الارتقاء بجودة التعليم الطبي، وصون سمعة الجامعات العراقية، وضمان إعداد أطباء يرتقون إلى مستوى الرسالة الإنسانية التي يحملونها، فمهنة الطب ليست شأنًا أكاديميًا فحسب، بل مسؤولية تتعلق بحياة الإنسان وكرامته.
وفي الوقت ذاته، فإن نجاح أي إصلاح يقتضي أن يكون شاملًا ومنصفًا، وأن تُطبَّق معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي على جميع مؤسسات التعليم العالي دون تمييز. فالتعليم الأهلي الرصين كان ولا يزال شريكًا مهمًا في تطوير التعليم العالي، كما أن الجامعات الحكومية مطالبة هي الأخرى بالمراجعة المستمرة لأدائها وتعزيز جودة برامجها. وعليه، فإن المعيار الحقيقي يجب أن يكون جودة المخرجات والالتزام بالمعايير العلمية، لا طبيعة المؤسسة أو تبعيتها.
إن إصلاح التعليم العالي لا يتحقق بزيادة أعداد الكليات أو تقليصها، وإنما ببناء منظومة أكاديمية رصينة تُعلي قيمة الجودة، وتكافئ التميز، وتُخضع الجميع لسيادة القانون. فذلك هو الطريق الأمثل للحفاظ على مكانة الجامعة العراقية، وتعزيز الثقة بخريجيها، وخدمة الوطن وصون صحة الإنسان.