شريف علي
في مشهدٍ سياسي مضطرب تعيش الحركة الكوردية في غرب كوردستان لحظة سياسية معقّدة تتراجع فيه شرعية التمثيل الكوردي لصالح أدوارٍ وظيفية مفروضة، يبرز نمط سياسي من الشخصيات. صعدت داخل المؤسسات الحزبية بوصفها أدوات وظيفية لا تمثيلية، صعدت بوظيفة لا برسالة، ليعيد إنتاج التبعية وليحول الحركة من قوة مطالِبة بالحقوق إلى واجهة تستخدم لتجميل سلطات لا تعترف بها، إنها لحظة سقوط التمثيل وصعود الوظيفة. قراءتنا لهذا النموذج في الآتي
في كل تأمل للمشهد السياسي الكوردي في غرب كوردستان يتبين أن المشكلة لا تكمن في استلاب الحقوق فحسب، بل في وفرة الشخصيات التي تعمل على منع ظهور هذه الحقوق أصلا. ليست الأزمة في ضعف الحركة فحسب، بل في وجود من يحرص على إبقائها ضعيفة ومشلولة الإرادة، هذه هي الحقيقة القاسية.
النموذج الذي نتناوله هنا ليس مجرد فرد، بل تجسيد كامل للشخصية الوظيفية التي صعدت من بيئة تتراوح بين اللامبالاة بالقضية الكوردية والعداء الصريح لها. شخصية بلا وعي قومي، تسللت إلى الحركة محملة بأدوات النظام الشمولي وثقافته، التسلق، الإقصاء، صناعة الولاءات، وتحويل التنظيم السياسي إلى شبكة مصالح، لتخنق الحركة من الداخل.
هذه الشخصية لم تدخل الحركة بحثا عن مشروع قومي أو بدافع المشاركة فيه، بل بحثا عن وظيفة. وظيفة محددة، مطلوبة، ومصممة من جهات أرادت صناعة صعودها عبر تطعيم سيرتها الذاتية بكفاءات وهمية ومهارات مصطنعة.
منذ اللحظة الأولى لتبوئها أي موقع داخل المؤسسة، تبدأ بإزاحة الكفاءات، وتهميش المناضلين الحقيقيين، وتفريغ التنظيم من كوادره. لم يكن صعودها سياسيا قائما على الشرعية الشعبية أو الوطنية، أو إرث نضالي، بل صعودا وظيفيا قائما على مهمة واحدة إفشال أي تشكل سياسي كوردي يرتكز على قواعد الكوردايتي، والمشروع القومي الكوردي الذي يقوده الزعيم الكوردستاني مسعود بارزاني داخل غرب كوردستان، لتكون -المهمة واضحة التعطيل –
فالانتقال من دعم الأجهزة السلطوية السورية إلى دعم أخرى إقليمية لم يكن انقلابا سياسيا، بل استمرارا طبيعيا للدور ذاته. فالشخصية التي لا تمتلك أو تسعى إلى إمتلاك مشروعا قوميا بل ترتديه قناعا، ولا تمتلك قاعدة اجتماعية ولا شرعية نضالية، تكون مستعدة دائما للانتقال إلى أي جهة تمنحها حماية وشرعية شكلية وموقعا قياديا. وهكذا يتبدل الولاء من عاصمة إلى أخرى دون أن يتغير الجوهر، الوظيفة واحدة، والغاية واحدة، والنتيجة واحدة. من يخدم جهة اليوم يمكن أن يخدم جهات أخرى غدا، ما دام الهدف هو تعطيل أي تمثيل كوردي حقيقي.
ودون أن نذهب بعيدا. خمسة عشر عاما قضاها البعض من هذا النموذج داخل الائتلاف السوري المعارض والبعض الآخر خارجه دون أن ينتزع للكورد اعترافا واحدا موثقا، لا سياسيا ولا قانونيا ولا دستوريا. بل حصد عشرات النكسات والانهيارات السياسية والجماهيرية، وبمباركة الائتلاف نفسه والدوائر التي كانت تدير الائتلاف ونقيضه.
فوجوده هناك لم يكن تمثيلًا للكورد ومعاداته له لم يحقق شيئا، بل جزءا من هندسة سياسية تهدف إلى إظهار أن – الكورد ممثلون- بينما هم في الحقيقة غير ممثلين. لقد أدى كلا وظيفته بدقة، تجميد المطالب القومية لحساب الآخرين، وإعطاء شرعية شكلية للآخرين أمام العالم عبر شخصيات لا تمثل أحدًا. والنتيجة واضحة: (خمسة عشر عاما بلا مكسب واحد).، مثله مثل غيره من الذي كان يضخ الدم الكوردي المقدس في العراء.
وحين سقط النظام البعثي وتبعه سقوط الائتلاف، لم تسقط الوظيفة وإنما انتقلت ببساطة إلى سلطة جديدة تبحث عن واجهة كوردية بلا مشروع، سلطة سورية جديدة بوصاية تركية، كان طبيعيا أن يكافأ هذا النموذج الوظيفي بمنصب جديد، ممثلا عن الكورد. لم يكن ذلك تكريما ولا اعترافا، بل استمرارا للدور ذاته. فالسلطة الجديدة تحتاج إلى شخصية بلا مشروع قومي، بلا قدرة على الاعتراض، ملزمة بالكامل بتنفيذ المهام، وتؤدي وظيفة التمثيل الشكلي دون أن تزعج أحدًا بمطالب قومية. إن تعيين هذا النموذج لا يُعد تمثيلا للكورد، بل تجميلا لصورة السلطة عبر – كورد- همهم الأساسي هو المنصب.
السؤال ليس.. ماذا سيقدم هذا النموذج للشعب الكوردي؟ بل، لماذا لا يمكنه أن يقدم شيئا أصلا؟! الشخصية الوظيفية لا تمتلك مشروعًا قوميا مهما ارتدت من أقنعة، ولا تمتلك الإرادة أو القدرة على انتزاع الحقوق، ولا تمتلك سجلا سياسيا سوى سجل التعطيل. مواقعها ليست مواقع تشريعية ولا سلطوية، بل مواقع وظيفية تهدف إلى تجميل صورة السلطة، لا إلى تمثيل الكورد.
أي مكسب قومي يحتاج إلى صراع سياسي، وهذه الشخصية لا تخوض صراعا بل تنفذ تعليمات. من يصعد عبر الأجهزة السلطوية لا يستطيع الاصطدام بها لاحقا، ومن يعتاش على دعم إقليمي لا يمكن أن ينتزع حقا يتعارض مع مصالح الجهة الداعمة.
الأخطر أن وجود هذه الشخصيات داخل الحركة لا يدمرها من الخارج، بل من الداخل. فهي تحول التنظيم من حامل لمشروع قومي ويسير على ضوء نهج تحرري راسخ، إلى أداة لتنفيذ أجندات خارجية، وتعيد إنتاج التبعية عبر الزمن من خلال تعيين كوادر ضعيفة، وإقصاء أصحاب المشاريع، وتحويل التنظيم إلى شبكة مصالح. ومع الوقت تتشوه الهوية السياسية للكورد، ويظهرون كـ – مكون تابع – بدل أن يظهروا كقوة سياسية تطالب بحقوق قومية. يصبح الكورد حاضرين شكليا وغائبين فعليا، ممثلين في الصورة لا في القرار.
الحركات التي تهيمن عليها الشخصيات الوظيفية تتحول إلى حركات بلا مشروع، بلا شرعية، بلا قدرة على التفاوض، وبلا مستقبل. تصبح مجرد واجهة تستخدمها القوى الإقليمية لتجميل صورتها أو لتحقيق مصالحها. وهذا ما يحدث اليوم داخل الحركة الكوردية في غرب كوردستان، إنها أزمة شرعية، تفكك داخلي، عدم الإلتزام بالمشروع القومي، تراجع التمثيل الدولي، وفقدان القدرة على انتزاع الحقوق. الحركة موجودة كاسم، لكنها غائبة كقوة سياسية.
النموذج الذي نتحدث عنه ليس مجرد شخص، بل تجسيد لأزمة بنيوية تهدد وجود الحركة الكوردية كمشروع سياسي. وجوده المسخ في مواقع القرار يعني استمرار التبعية، تشويه التمثيل، وغياب أي إمكانية لانتزاع الحقوق.
إن المستقبل الوحيد الممكن للحركة الكوردية مرهون بقدرتها على تفكيك نفوذ هذه الشخصيات وإعادة بناء المؤسسات الحزبية على أساس الكفاءة والشرعية الشعبية، لا على أساس الولاء لجهات تعتبر أي نهوض كوردي تهديدًا لوجودها. فإما الإصلاح… أو السقوط.