عرفان الداوودي
تشهد الساحة العراقية اليوم اهتماماً شعبياً واسعاً بملف مكافحة الفساد، بعد أن تحوّل هذا الملف إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة، لما خلّفه الفساد من آثار خطيرة على الاقتصاد والخدمات والتنمية، ولما تسبب به من هدرٍ للمال العام وإضعافٍ لمؤسسات الدولة وثقة المواطنين بها.
وقد عبّرت العديد من المواكب الحسينية خلال أيام شهر محرم، إلى جانب شرائح مختلفة من المجتمع، عن تأييدها لاستمرار الجهود الحكومية الرامية إلى مكافحة الفساد وملاحقة المتورطين فيه، باعتبار أن حماية المال العام واجب وطني وأخلاقي قبل أن تكون مسؤولية قانونية. وهذا التأييد الشعبي يعكس رغبة العراقيين في رؤية دولة يسودها القانون، ويحاسب فيها كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء، بغض النظر عن موقعه أو انتمائه.

إن الشعب العراقي ينتظر اليوم نتائج ملموسة لهذه الحملة، ليس من خلال التصريحات الإعلامية، وإنما عبر استكمال التحقيقات وإحالة القضايا إلى القضاء المختص، وإصدار الأحكام بحق كل من تثبت إدانته وفقاً للقانون، مع ضمان حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة. فسيادة القانون لا تكتمل إلا بقضاء مستقل، وإجراءات قانونية سليمة، وأحكام تستند إلى الأدلة والوقائع.
ومن المبادئ الدستورية الراسخة أن القضاء سلطة مستقلة لا سلطان عليها إلا القانون. ولذلك فإن أي محاولة للتأثير في مجريات العدالة، أو ممارسة الضغوط على الجهات القضائية، أو توظيف الإعلام لتوجيه الرأي العام في القضايا المنظورة، تمثل مساساً بمبدأ استقلال القضاء، وهو أحد أهم أسس الدولة الدستورية.
كما أن مكافحة الفساد ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون السلطات الثلاث، وهيئات الرقابة والنزاهة، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والمواطنين. فنجاح هذه المعركة يتوقف على توافر الإرادة السياسية، واستقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، وحماية المبلغين والشهود، وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية أو تمييز.
إن المال العام أمانة في أعناق المسؤولين، والاعتداء عليه ليس جريمة مالية فحسب، بل اعتداء على حقوق المواطنين في التعليم والصحة والخدمات وفرص العمل. لذلك فإن استرداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة كل من تثبت إدانته، يمثلان خطوة أساسية نحو ترسيخ العدالة وتعزيز ثقة الشعب بمؤسسات الدولة.
واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يتطلع العراقيون إلى أن تستمر الحملة الوطنية لمكافحة الفساد حتى تحقق أهدافها كاملة، وأن تكون العدالة هي الفيصل، بعيداً عن الضغوط السياسية أو المصالح الشخصية أو الحسابات الحزبية. فلا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون، ولا يجوز أن يفلت أي مدان من المساءلة، كما لا يجوز في المقابل إدانة أي شخص قبل صدور حكم قضائي نهائي.
إن العراق يستحق دولة قوية بمؤسساتها، عادلة بقضائها، أمينة على أموال شعبها، قادرة على محاسبة الفاسدين وحماية المال العام. وإن دعم الجهود القانونية والدستورية لمكافحة الفساد هو دعم لمستقبل الوطن، ولحقوق الأجيال القادمة، ولقيام دولة المواطنة التي يحكمها القانون وحده.
معاً لمساندة الحملة الوطنية ضد الفساد، ومعاً لترسيخ دولة القانون والعدالة، واحترام استقلال القضاء، حتى ينال كل من تثبت إدانته جزاءه وفق أحكام القانون، ويُصان المال العام بوصفه حقاً لجميع العراقيين.