ديانا البوتاني
لا يولد الفساد فجأة، ولا يبدأ من أعلى هرم السلطة، بل يبدأ بخطوة صغيرة يتهاون فيها موظف، ثم تتحول إلى عادة، ثم إلى منظومة تحمي نفسها، حتى تمتد جذورها إلى أصحاب النفوذ والقرار.
المواطن البسيط لا يستطيع سرقة المليارات، ولا يملك القدرة على تمرير العقود أو التلاعب بالموازنات أو إخفاء الأموال. هذه الجرائم تحتاج إلى مناصب وسلطات ونفوذ، ولذلك فإن الثمن يدفعه الشعب، بينما يجني الفاسدون الثروات.
المليارات التي أُهدرت أو نُهبت لم تكن مجرد أرقام في التقارير، بل كانت مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لم تُجهَّز، وطرقًا لم تُعبد، ومصانع لم تعمل، وآلاف فرص العمل التي ضاعت، وأحلام شبابٍ تحطمت بسبب الفساد وسوء الإدارة.
العراق ليس بلدًا فقيرًا، بل هو من أغنى الدول بموارده الطبيعية والبشرية، لكن ما يعيق تقدمه ليس نقص الثروات، بل سوء إدارتها واستمرار الفساد. ولو استُثمرت أموال الدولة بإخلاص ونزاهة، لأصبح العراق في مصاف الدول المتقدمة في الصناعة والإعمار والاقتصاد، ولتمتع المواطن بخدمات وفرص تليق بكرامته.
إن الفساد لا يسرق المال فقط، بل يسرق المستقبل، ويقتل الأمل، ويقوض ثقة المواطن بوطنه ومؤسساته. لذلك فإن محاربة الفساد ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية وطنية تتطلب قضاءً مستقلًا، ورقابةً فاعلة، وإدارةً نزيهة، ومجتمعًا يرفض التستر على الفاسدين.
فالأوطان لا تنهض بالشعارات، وإنما بالنزاهة والعدالة وسيادة القانون، وحين يُحاسَب كل من يعتدي على المال العام دون استثناء، يبدأ طريق الإصلاح الحقيقي، ويستعيد الوطن حقه، ويستعيد المواطن ثقته بأن مستقبل بلده يُبنى لخدمته، لا لخدمة أصحاب المصالح.