الباحثة السياسية جيهان علو
«هل نحن في زمن صدام حسين؟ ما هذا الظلم؟ أم أنكم جئتم كقوة احتلال؟».. لم تكن هذه الصرخات المدوية في شوارع كركوك مجرد هتافات لامتصاص الغضب، بل هي إدانة صارخة، وتعبير حي عن شعور مرير بالاضطهاد يعيشه المواطن الكوردي الذي يرى جرافات السلطة تنهب ما تبقى من كرامته وأرضه وتعب سنينه. فاستدعاء الذاكرة الجمعية لزمن الديكتاتورية ليس ترفًا بلاغيًا، بل هو انعكاس مرعب لواقع يعيد إنتاج نفسه بأدوات جديدة، حيث تقف المرأة الكوردية اليوم عاجزة أمام آلة الهدم العسكرية التي لا ترى في كركوك سوى ساحة لتصفية الحسابات.
لا أحد يناقش هيبة الدولة وتطبيق القانون، لكن شتان ما بين تحقيق العدالة وبين سياسة التخويف فالقانون في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية يبدأ بالشفافية، والإخطار الرسمي، وإتاحة قنوات الاعتراض القضائي، والبحث عن بدائل إنسانية و تعويضات؛ أما أن يبدأ القانون وينتهي بـ «الجرافة»، فهذا ليس فرضًا للنظام، بل هو إعلان صريح عن غياب دولة المؤسسات واستبدالها بسلطة القمع المباشر.و عدالة السلطة التي تُقاس بمقدار الرعب والدمار الذي تخلّفه في أحياء المستضعفين هي عدالة عرجاء، ومجرد غطاء لتمرير أجندات مشبوهة.
لقد دفعت كركوك عبر تاريخها الحديث أثمانًا باهظة لسياسات التغيير الديموغرافي الممنهج، وحملات التعريب القسرية التي انطلقت منذ سبعينيات القرن الماضي واشتدت ضراوتها في عهد النظام السابق. هذه الصراعات السياسية والنزاعات المستمرة جعلت المواطن الكوردي في كركوك يعيش قلقًا وجوديًا دائمًا على أرضه، وهويته، ومستقبل أبنائه. وبناءً على هذه الحقائق التاريخية الحساسة، فإن أي قرار يخص الأرض والملكيات العقارية في هذه المدينة لا يمكن تمريره تحت جنح الظلام كإجراء إداري جاف؛ بل يتطلب أعلى مستويات المكاشفة والحوار المجتمعي، لأن العبث بهذا الملف في مدينة كركوك تحديدًا هو لعب بالنار في حقل ألغام يهدد السلم الأهلي الهش.
وتفرض الأسئلة الوعرة نفسها اليوم على الإدارة المحلية الحالية في كركوك: هل تم إشعار المتضررين بصورة قانونية كافية؟ أم أن المفاجأة والصدمة كانتا مقصودتين لفرض سياسة الأمر الواقع؟ هل فكرت هذه الإدارة بمصير مئات العائلات التي شُردت في العراء تحت ذريعة التجاوز؟ وهل تم التدقيق في الملكيات التاريخية والزراعية المعقدة التي لم تُحسم قضائيًا ودستوريًا حتى الآن؟ تجاهل هذه الأسئلة والهروب إلى الأمام باستخدام القوة العسكرية لا يثبت قوة السلطة، بل يكشف عجزها الأخلاقي والإداري، ويثبت أنها اختارت الممر الأسهل والأكثر دموية وتجاهلت الواجب الإنساني والدستوري.
إذ ما يحدث اليوم يعيد إلى الواجهة الأزمة العميقة التي يعاني منها الفلاحون الكورد وأصحاب الأراضي التاريخيون، والذين تُركت حقوقهم معلقة بلا معالجات قانونية حاسمة منذ عام 2003، وتحديدًا في ظل المماطلة المستمرة في تفعيل المادة 140 من الدستور العراقي المخصصة للمناطق المتنازع عليها. وحين تتقاعس الدولة لعقود عن إيجاد حلول قانونية وقضائية عادلة لملفات الأراضي والنزاعات الزراعية، ثم تأتي فجأة لتستعرض عضلاتها بجرافات الإزالة، فإنها تثبت للمواطن أنها لا تراه إلا في لحظة العقاب والتهجير، بينما تختفي تمامًا عندما يطالب بحقوقه المسلوبة.
فكرامة الإنسان ليست بندًا إجرائيًا يمكن شطبه بقلم من مسؤول خلف مكتبه. فحتى لو كان قرار الإزالة قانونيًا بالمعنى الحرفي ، فإن الطريقة التي نُفذ بها تجرده من شرعيته الأخلاقية. فالإدارة المحلية الفاشلة هي التي تختبئ خلف الجرافات لتواري عجزها عن التخطيط والاحتواء، بينما الإدارة الناجحة هي التي تملك الشجاعة والقدرة على خلق توازن حقيقي بين الحفاظ على أملاك الدولة وحماية كرامة المواطن وحقه الأساسي في السكن والعيش الكريم.
كركوك مدينة مثقلة بالندوب والجروح التاريخية، وكل شبر فيها مشحون بأبعاد سياسية وقومية واجتماعية بالغة التعقيد. ولذلك، فإن المسؤولية الأخلاقية والتاريخية الملقاة على عاتق من يديرها اليوم هي مضاعفة؛ وأي استسهال أو استخدام مفرط للقوة الفجة والقرارات الارتجالية قد يعيد المدينة إلى المربع الأول، ويفتح أبوابًا من الفتن والصراعات القومية التي دفع الجميع ثمنًا باهظًا لإغلاقها.
فهذه المدينة لا تحتاج اليوم إلى استعراضات أمنية بائسة لإظهار الهيبة، بل تحتاج إلى إدارة حكيمة تنصت لصوت الشارع قبل أن تطلق العنان لقراراتها، وتؤمن بالحوار قبل أن تلوح بالسلاح، وتحترم آدمية الإنسان قبل أن تتذرع بالقانون. فالدولة التي تحظى باحترام مواطنيها هي تلك التي يثقون في عدالتها لحمايتهم، وليست تلك التي يخشون بطش جرافاتها ورجال أمنها.
لن تعرف كركوك الاستقرار أبدًا طالما بقي هناك مواطن واحد يشعر بأن القانون يتربص به ويستهدفه بسبب هويته وانتمائه، وطالما ظلت القوة العسكرية تسبق منطق الحوار والقضاء. عندها فقط، عندما تسود العدالة الحقيقية الخالية من الحسابات السياسية الضيقة، ستصمت تلك الصرخات المفجوعة التي تتساءل: «هل نحن في زمن صدام حسين؟»، لأن المواطن الكوردي لن يكون مجبرًا حينها على استدعاء أبشع كوابيس الماضي لكي يصف مرارة حاضره.