د. كريم نوري عبد الله الدليمي .
يقول فولتير ( غالباً ما يتوقف مصير الأمة على حسن هضم رئيس الوزراء أو عسره ).
كما نقول لطالما تجسدت التجربة الإنسانية في حكمة فصارت أنية بوعاء يشتمل على خلاصات مكثفة من اعتقادات الانسان وآرائه ، ومن شروط الحكمة أن تشتمل على كلام بليغ بعيد عن الجهل والسفه ، ينتفع ويتعظ به الناس ، واما البراعة التي تتسم بها الحكمة ، فإنها تكمن في القدرة على تصوير حادثة ما بحيث أنها تسكن في ضمير الانسان ، وتثير اعجابه واعجاب عامة الناس ، فتتسع عندها دائرة تطبيق القول المأثور والحكمة الصائبة ، لتشمل شعباً من الشعوب بأكمله او امه من الأمم بكاملها ، ويصبح القول المأثور أو الحكمة دليلاً على مخزون حكمة الامة وخزاناً من خزانات ثقافتها المميزة.
ويبقى القول المأثور للمعارض والسياسي الهندي والمطالب بالحقوق المدنية والحرية للفرد غاندي بقوله: ( أن الحق قوة ، والقوة كامنه في الشعب ، أما البرلمانات فلا قوة لها ولا وجود مالم تكن مستندة إلى الشعب ).
تعد مكافحة الفساد من اكثر الملفات تعقيداً في العراق ، لما لها من تأثير مباشر في أداء مؤسسات الدولة ، ومستوى الخدمات ، وجذب الاستثمارات ، وتعزيز ثقة الموطنين بالحكومة ، ومنذ تولي رئيس الوزراء العراق ( علي فالح الزيدي )، مهامه برز ملف مكافحة الفساد ضمن أولويات البرنامج الحكومي ، في ظل مطالب شعبية متزايدة بترسيخ مبادئ النزاهة والمساءلة وسيادة واحترام القانون ؟
1- تحديات متجذرة:
لا يقتصر الفساد على المخالفات المالية او الإدارية فحسب ، بل يمتد الى منظومة معقدة تتداخل فيها الجوانب القانونية والإدارية والاقتصادية ، وقد أدى تراكم هذه التحديات على مدى سنوات الى اضعاف كفاءة العديد من المؤسسات ، واعاقة تنفيذ المشاريع واستنزاف الموارد العامة للدولة العراقية.
كما تواجه أي حكومة تسعى الى الإصلاح تحديات تتمثل في تحديث التشريعات ، وتعزيز استقلالية الجهات الرقابية ، وتطوير اليات الشفافية ، إضافة الى الحاجة الى تعاون بين السلطات المختلفة ومؤسسات الدولة.
2- خطوات الإصلاح؟
يرى مراقبون ونرى بدورنا نحن كتاباً ومراقبون ان نجاح أي حملة لمكافحة الفساد يعتمد على الانتقال من الإجراءات المؤقتة الى بناء منظومة مؤسسية مستدامة خضراء ، كما يشمل ذلك دعم الأجهزة الرقابية وتفعيل أنظمة الحوكمة الإلكترونية ، وتبسيط الإجراءات الإدارية ، والحد من البيروقراطية التي قد تتيح فرص كبيرة وواسعة للممارسات غير القانونية ، مما يعطي المجال للشروع بالفساد للمتسلطين على المال العام للدولة .
كما ان تعزيز الشفافية في إدارة العقود والمناقصات ، ونشر البيانات الحكومية ، وتوسيع استخدام الخدمات الرقمية ، يمكن ان يسهم في تقليل فرص الفساد ورفع كفاءة الأداء الحكومي .
3- لا يمكن ان تحقق جهود مكافحة الفساد أهدافها من دون مشاركة مجتمعية وإعلامية فاعلة، فالأعلام المهني ومنظمات المجتمع المدني ، والمواطنون جميعاً لهم دور في ترسيخ ثقافة النزاهة ، والابلاغ عن المخالفات عبر القنوات القانونية ، والمطالبة بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء وفي الوقت نفسه ، فأن حماية المبلغين عن الفساد ، وضمان استقلال القضاء ، تعدان من الركائز الأساسية لتعزيز الثقة في جهود الإصلاح المؤسساتي للدولة.
4- فرص النجاح؟
تمتلك الدولة العراقية فرص لتحقيق تقدم ملموس ، اذا ما استمرت في تطبيق الإصلاحات بصورة متناسقة ، وربط مكافحة الفساد بإصلاح الإدارة العامة وتحسين الخدمات وترشيد العمل والحفاظ على مدخلات الأموال العامة وخصوصاً مدخلات ( الضرائب ، والجمارك ، ومبايعات المشتقات النفطية ، والجبايات عن طريق الدفع الإلكتروني في جميع الدوائر الحكومية )، وخصوصاً منتجات النفط في العراق اذ مراراً وتكراراً قلنا ونقول على الدولة العراقية أن تعي الحالة جيداً حول انشاء مصافي وطنية استثمارية عن طريق الأسهم العراقيين في شراء هذه الأسهم ، لكي يكون الفرد العراقي شريك للدولة واستثمار الطاقات الشبابية في العراق في انتاج المشتقات النفطية ، افضل من ان تقوم الدولة في بيع النفط الخام بثمننا بخس للبرميل التي لا تتعدى (60$) دولار للبرميل الواحد.
كما ان تحقيق نتائج عملية وملموسة في هذا الملف يمكن ان يسهم في تعزيز ثقة المواطنين بالدولة ، وتحسين الاستثمار في العراق ودعم التنمية الاقتصادية في البلد.
غير ان نجاح هذه الجهود سيقاس بقدراتها على ترسيخ مؤسسات قوية تطبق القانون بعدالة وشفافية ، لا مجرد حملة مؤقتة ؟ لذا نحن في دورنا كتاباً ومراقبون بأن لا تكون الحملة على الفساد حملة مؤقتة ، لان تاريخ رئيس الوزراء سيكتب في كل تفاصيله ، وبدورنا نطلب من رئيس الوزراء العراقي ان تكتب تاريخك بحروف من ذهب في الاستمرار بمكافحة الفساد ولا نسمح بان يكون هناك تهاون وتحايل في موضوع مكافحة الفساد لان كل دينار يهدر يتراجع العراق بسبب هدر هذه الأموال سنة كاملة ، لذا يجب الحفاظ واستثمار هذه الأموال لبناء عراقنا العزيز والحفاظ على هذه الأموال للأجيال القادمة .
وهنا وقد منحت الفرصة الكبرى بدعم من الشعب ومن القضاء ومن السلطة التشريعية ومن المرجعيات الدينة في جميع اتجاهاتها ، وهناك قبول شعبي من كل الأطراف ومؤيد لهذه الحملة لضرب الفساد واستعادة أموال الشعب واموال الايتام والفقراء ، ولا نريد ان نرى ان هذه مجرد بدايات واستعراضات ، وانما نتمنى ان تستمر بالحملة على الفساد ، اذ ان الشعب العراقي عنه الويلات في جميع المحافظات من الظلم بسبب الحروب والإرهاب وغيرها.
لذا بدورنا نطلب منك الاستمرار بهذا المجال في مكافحة الفساد والفاسدين وإعادة البوصلة الى ما هو علية في استقرار الدولة ، اذ يمن القول بالحذر من التالي:
-التأكيد على ان مكافحة الفساد يجب ان يكون عملية مستمرة وليست حملة مؤقتة تنتهي بمرور الوقت .
-تعزيز مبدأ سيادة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء او انتقائية ؟ اذ العدالة الاجتماعية والعمل بقانون التساوي بين افراد المجتمع يخرج الانسان من حقل اللغام وهو حقل ( المذهبية ، والطائفية ، والعنصرية ، والقومية )، ويدفع المجتمع في التمسك السوي الذي تهمه مصلحة الشعب وتاريخه على المصالح والمنافع المادية والمنافع الخاصة عن طريق الفساد والفاسدين .
-رفع مستوى الشافية والمساءلة في المؤسسات العامة والخاصة للدولة .
-بناء ثقة المواطنين من خلال إجراءات واضحة وعادلة في مكافحة الفساد.
-ترسيخ ثقافة النزاهة والالتزام بالقيم الأخلاقية ، واتخاذ اشد العقوبات القانونية بكل من تثبت علية حالات الفساد من اصغر موظف الى اعلى شخص في الدولة بدون استثناء ، ويمنع من مزاولة العمل في القطاع الحكومي مدى الحياة.
-التحذير من الحملات الشكلية او الانتقائية التي قد تضعف مصداقية جهود مكافحة الفساد ، والتأكيد على ان الإصلاح الحقيقي يتطلب الاستمرارية والحياد .
-نطالب بتشريع قانون (الإعدام)، لكل من تثبت عليه حالة فساد ، لان سرقة المال العام اخطر من الإرهاب على المواطن والدولة.
وفي الختام:
يبقى ملف مكافحة الفساد احد اهم الاختبارات اما أي حكومة عراقية ، بما في ذلك حكومة رئيس الوزراء (علي الزيدي) ، ويتطلب النجاح في هذا المسار إدارة سياسية ومؤسسات فاعلة وتعاوناً بين الدولة والمجتمع ، مع الالتزام بمبادئ الشفافية وسيادة القانون ، وعند توافر هذه العناصر يمكن تتحول جهود مكافحة الفساد الى ركيزة أساسية للإصلاح الإداري والاقتصادي ، بما ينعكس ايجابياً على التنمية والاستقرار في العراق .
ونقول: ( أن الامة التي لا تنتج – تموت – ولو كانت جبالها من الفضة ، وسهولها من الذهب ).