عطا شميراني
ليست كردستان مجرد اسم على خارطة، ولا حدودًا رسمتها السياسة، بل هي وطنٌ سكن القلوب قبل أن يُكتب في الكتب، وأرضٌ ارتوت بدماء آلاف الشهداء الذين آمنوا بأن الحرية ليست منحةً تُعطى، بل حقٌ يُنتزع بالصبر والتضحية. ولهذا، فإن من يظن أن بإمكانه كسر إرادة الشعب الكردي، فهو يقرأ التاريخ بعينٍ واحدة، ويتجاهل صفحاته الأكثر وضوحًا.
لقد تعاقبت على هذه الأرض إمبراطورياتٌ عظيمة، وجيوشٌ جرارة، وملوكٌ وسلاطين، ورؤساءٌ امتلكوا القوة والسلاح والإمكانات، وكلهم حاولوا إخضاع الكرد، وإخماد صوتهم، ومحو هويتهم. بعضهم ظن أن الحديد والنار كفيلان بإسكات شعبٍ عشق الحرية، وآخرون اعتقدوا أن القمع والتجويع والتهجير سيجعلون الكرد ينسون لغتهم وتاريخهم وانتماءهم. لكن النتيجة كانت واحدة في كل مرة؛ رحل الطغاة، وسقطت عروشهم، وبقي الشعب الكردي واقفًا على قدميه، أكثر إيمانًا بأرضه وأكثر تمسكًا بحقوقه.
إن التاريخ لا يخلّد أصحاب السلطة بقدر ما يخلّد أصحاب المواقف. كم من إمبراطور كان يظن أن دولته لن تزول، فإذا بها أصبحت سطورًا في كتب التاريخ، وكم من حاكمٍ توهّم أن صوته أعلى من صوت الشعوب، فإذا به أصبح مجرد ذكرى. أما الشعوب التي تدافع عن كرامتها، فإنها تبقى، لأنها تستمد قوتها من إرادتها، لا من قصورها ولا من جيوشها.
واليوم، نسمع أصواتًا هنا وهناك، في العراق أو في كردستان، تحاول التقليل من شأن الشعب الكردي أو التشكيك في حقوقه أو بث اليأس بين أبنائه. بعض هذه الأصوات لا تملك سوى الضجيج، وبعضها يظن أن الكلمات المستفزة تستطيع أن تحقق ما عجزت عنه الجيوش والإمبراطوريات عبر قرون طويلة. لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ هي أن الحملات الإعلامية، والخطابات العدائية، والأصوات المرتفعة، لا تستطيع أن تهزم شعبًا يعرف من هو، ويؤمن بقضيته.
قد تختلف الأحزاب، وتتغير الحكومات، وتتبدل القيادات، فهذا أمر طبيعي في كل المجتمعات، لكن الوطن يبقى أكبر من الجميع. وكردستان لم تُبنَ على اسم شخص، ولا على حزب، ولا على حكومة، وإنما بُنيت بإرادة شعبٍ قدّم أغلى ما يملك من أجل أن يحافظ على هويته وكرامته. ولذلك فإن أي خلاف سياسي يجب ألا يتحول إلى خلاف على الوطن، لأن الأوطان هي المظلة التي تجمع الجميع.
إن قوة الكردستانيين لم تكن يومًا في كثرة عددهم، بل في صلابة عزيمتهم. فمن يستطيع أن يصمد أمام كل تلك المآسي والتحديات، ثم ينهض من جديد، لا يمكن أن تكسره الكلمات، ولا أن تهزه حملات التشويه. لقد أثبت أبناء كردستان في كل المراحل أنهم قادرون على تحويل الألم إلى أمل، والمحنة إلى قوة، واليأس إلى إصرار على الاستمرار.
وليعلم كل من يراهن على انقسام هذا الشعب، أو على كسر إرادته، أن الرهان خاسر. فالوطن الذي صمد أمام العواصف الكبرى، لن تهزه العواصف الصغيرة. والتاريخ لا يُكتب بمن يرفع صوته، بل بمن يثبت على موقفه، ولا يُصنع بمن يزرع الكراهية، بل بمن يحافظ على كرامة شعبه وحقه في الحياة.
إن الدفاع عن كردستان لا يعني معاداة الآخرين، بل يعني التمسك بالحق، واحترام الكرامة الإنسانية، والإيمان بأن لكل شعبٍ الحق في أن يعيش بحرية وسلام وأمان. وهذه المبادئ هي التي تجعل أي قضية عادلة أقوى من كل محاولات التشويه والإقصاء.
لقد علّمنا التاريخ أن الجغرافيا قد تُحتل، لكن الإرادة لا تُحتل، وأن الأوطان لا يحرسها الحجر وحده، بل يحرسها إيمان أبنائها بها. وما عجزت عن تحقيقه إمبراطورياتٌ امتلكت الجيوش والعتاد، لن تحققه اليوم أبواقٌ لا تملك سوى الضجيج. فالتاريخ لا ينحني للصوت الأعلى، بل للإرادة الأقوى. وستبقى كردستان قرة عيون أبنائها، كما كانت دائمًا، وطنًا يسكن القلوب قبل أن يسكن الخرائط، لأن الأوطان التي تُبنى بالتضحيات لا تهزمها الكلمات، ولا تكسرها العواصف، ولا تمحوها السنون.