الباحثة السياسية جيهان علو
الفصل الأول: درعا بين التوغل الإسرائيلي وصمت دمشق
لم تعد درعا تمثل مجرد محافظة حدودية تتقاطع عندها المصالح الأمنية والعسكرية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة السلطة الجديدة في دمشق وحدود قدرتها على إدارة ملفات السيادة. فكل تقدم إسرائيلي داخل الجنوب السوري لا يُقاس فقط بعدد الكيلومترات أو المواقع العسكرية التي تُستهدف، وإنما بمدى قدرة الدولة على إثبات احتكارها لقرار الدفاع عن أراضيها، وهي المعادلة التي تبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
إذ لم يعد السؤال اليوم يتمثل في أسباب التوغل الإسرائيلي بقدر ما أصبح يدور حول البيئة السياسية التي سمحت بحدوثه. فمن منظور تل أبيب، لا يتحقق الأمن عبر ردود الفعل المؤقتة، وإنما عبر تكريس واقع ميداني جديد يحد من أي تهديد محتمل قبل أن يتشكل، مستفيدة من حالة التفكك التي أعقبت سنوات الحرب ومن غياب منظومة ردع أو قىار سيادي سوري بحت قادر على فرض كلفة سياسية أو عسكرية على تلك التحركات.
في المقابل، يثير أداء حكومة أحمد الشرع أسئلة تتجاوز البيانات السياسية التقليدية. فالاكتفاء بالإدانة أو الصمت لا يغيّر من حقيقة أن سكان الجنوب يقيسون حضور الدولة بقدرتها على الحماية قبل أي وظيفة أخرى. وعندما يشعر المجتمع المحلي بأن الحدود تُخترق دون موقف يوازي حجم الحدث، تتراجع الثقة بالدولة بوصفها الضامن الأول للأمن والسيادة، وهو ما يفتح الباب أمام شعور متزايد بالعزلة والتخلي، ليتسع الشرخ بين الأطراف والمركز في لحظة حرجة من تاريخ البلاد.
فغياب الردع يحمل بدوره كلفة استراتيجية باهظة، لأن أي فراغ في إدارة الحدود يتحول سريعًا إلى مساحة مفتوحة تستثمر فيها القوى الإقليمية وفق مصالحها الخاصة، لتصبح المحافظة التي شكّلت يومًا نقطة انطلاق الثورة السورية نموذجًا مكثفًا لأزمة الدولة نفسها: سيادة يُتحدث عنها في الخطاب السياسي، بينما تتآكل على الأرض مع كل اختبار جديد، مما يضع صورة الدولة السورية ومستقبل سلطتها المؤقتة على كامل الجغرافيا الوطنية في موضع تساؤل حقيقي.
الفصل الثاني: سيادة مؤجلة أم عجز سياسي؟ موقف حكومة أحمد الشرع من التصعيد الإسرائيلي
تكشف التطورات في الجنوب السوري أن مفهوم السيادة لم يعد يُختبر عبر النصوص الدستورية أو الخطابات الرسمية، بل من خلال قدرة السلطة على فرض إرادتها عندما تتعرض حدود الدولة للاختراق. وفي حالة درعا، برزت فجوة واضحة بين الخطاب الذي يؤكد على وحدة الأراضي السورية وبين واقع ميداني تتحرك فيه إسرائيل بحرية نسبية، إذ
تواجه الحكومة الجديدة بيئة داخلية وإقليمية معقدة؛ فبعد سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي، تبدو أولوياتها موجهة نحو تثبيت مؤسسات الحكم، والحصول على اعتراف سياسي ودعم اقتصادي من الأطراف الدولية والإقليمية. هذا المسار يدفعها إلى تجنب أي مواجهة عسكرية مباشرة قد تؤدي إلى تقويض الاستقرار الهش الذي تسعى إلى بنائه. غير أن هذا النهج يضعها أمام معضلة أساسية: فكلما ازداد التركيز على تجنب التصعيد وتأجيل المواجهة، ارتفعت كلفة التراجع عن ممارسة أحد أهم وظائف الدولة الأساسية، وهي حماية أراضيها وسكانها، مما يمنح إسرائيل انطباعاً بأن تكلفة التحرك منخفضة، فيهيئ لها ذلك هامشاً أوسع لفرض معادلات أمنية جديدة يصعب تغييرها لاحقاً.
ولا يقتصر تأثير هذا المشهد على البعد العسكري، بل يمتد إلى البعد السياسي الداخلي. فالسكان الذين علقوا آمالًا على أن تؤسس المرحلة الجديدة لعلاقة مختلفة بين الدولة والمجتمع، يجدون أنفسهم أمام اختبار يتعلق بجوهر السلطة لا بشكلها. فالدولة التي تعجز عن طمأنة مواطنيها في المناطق الحدودية تواجه تحديًا يتجاوز إدارة الأزمات اليومية، ليصل إلى مسألة الثقة بقدرتها على تمثيل المصلحة الوطنية والدفاع عنها.
وفي ظل هذه القيود المعقدة، تبرز مسؤولية السلطة عن بناء سياسة واضحة تجاه الانتهاكات المتكررة للسيادة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في القدرة على خوض مواجهة عسكرية مباشرة، بل أيضاً في امتلاك استراتيجية سياسية ودبلوماسية وقانونية تُظهر أن حماية الحدود ليست قضية قابلة للتأجيل أو المساومة، كي لا يتحول خيار تجنب الحرب عملياً إلى قبول مستتر بالأمر الواقع يحدد مستقبل صورة الحكومة السياسية أمام السوريين وأمام العالم.
الفصل الثالث: الدور التركي بين الخطاب والممارسة… لماذا لم ينعكس الدعم السياسي على حماية الجنوب السوري؟
منذ صعود السلطة الجديدة في دمشق، برزت تركيا بوصفها أحد أبرز الداعمين لها سياسيًا ودبلوماسيًا، وقدمت نفسها باعتبارها شريكًا في إعادة بناء الدولة السورية واستقرارها. غير أن التطورات في الجنوب، ولا سيما في درعا، أظهرت فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن وحدة الأراضي السورية ورفض أي انتهاك لسيادتها، وبين واقع ميداني لم يشهد تحركًا تركيّاً قادراً على الحد من التوسع الإسرائيلي أو فرض معادلة ردع حقيقية.
تؤكد أنقرة في مناسبات عديدة رفضها لأي تغيير في الجغرافيا السورية، وتعلن تمسكها بوحدة البلاد، إلا أن أدواتها العملية تبدو موجهة بالكامل نحو أولويات جغرافية وأمنية مغايرة. فالأمن الحدودي المباشر، وملف القوى الكردية المسلحة، وترتيبات النفوذ في الشمال السوري، تشكل محاور شديدة الإلحاح في الاستراتيجية التركية، مما جعل ملف الجنوب يتراجع إلى مرتبة ثانوية في الحسابات التركية رغم ما يحمله من أهمية سيادية للدولة السورية.
وفي هذا الإطار، تبدو العلاقة بين أنقرة وحكومة أحمد الشرع قائمة على تقاطع مصالح استراتيجية متبادلة أكثر من كونها تحالفًا ينطلق من رؤية موحدة لإدارة جميع الملفات الوطنية. فتركيا تحتاج إلى سلطة مستقرة في دمشق تمنع انزلاق البلاد إلى فوضى جديدة وتهدد حدودها الجنوبية، بينما تحتاج الحكومة السورية إلى دعم تركي وازن يخفف من عزلتها الإقليمية ويساعدها في تثبيت أركانها. إلا أن هذا التقاطع ظل عاجزاً عن بلورة سياسة تملك القدرة على التعامل مع التحديات الأمنية الكبرى في حوض اليرموك والجنوب السوري عموماً.
فقدرة أنقرة على التأثير تعكس بوضوح توازنات القوى واختلاف ترتيب المصالح؛ فالدولة قد تملك أدوات نفوذ واسعة لكنها تختار عدم تفعيلها في جبهات معينة تفادياً للتصادم مع حساباتها الإقليمية والدولية المعقدة. والنتيجة العملية لكل هذه الحسابات تقع كاهلها على سكان درعا، الذين يزداد شعورهم بأن محافظتهم مستثناة من دائرة اهتمام الفاعلين الكبار، ليبقى الدعم السياسي الخارجي حبيس التصريحات الدبلوماسية دون أي أثر ملموس يحمي الأرض أو يغير موازين القوى على الجبهة الجنوبية.
الفصل الرابع: درعا تُترك وحدها… الثمن الإنساني لغياب الدولة وانكفاء الفعل العشائري والسياسي
لا تُقاس الأزمات الوطنية بعدد البيانات الصادرة ولا بحجم السجالات السياسية، بل بما يتركه الحدث من أثر عميق على حياة المدنيين اليومية. وفي درعا، لم يكن التوغل الإسرائيلي حدثاً بسيطاً بل لحظة كشفت هشاشة منظومة الحماية التي يفترض أن تضمن أمن السكان، وأظهرت بوضوح أن المدنيين هم أول من يدفع ثمن الفراغ السياسي وتضارب الحسابات الإقليمية الكبرى.
وجد أهالي درعا أنفسهم أمام عمليات عسكرية تفرض واقعاً ميدانياً وسلطة مركزية عاجزة عن تقديم البدائل الأمنية لحمايتهم، وقوى إقليمية ودولية منشغلة بأولوياتها الخاصة. هذا الفراغ حوّل حياة المجتمع المحلي إلى معاناة مستمرة تمس مفاصل الاقتصاد والتعليم والاستقرار الاجتماعي، وعمّق من شعور السكان بالخوف الدائم من القادم المجهول في منطقة أصبحت مستباحة أمام كل الاحتمالات الأمنية.
وما يزيد من قسوة هذا المشهد هو الغياب شبه الكامل لأي حراك عشائري وازن أو إدانة واضحة،
رغم أن الجنوب السوري عُرف تاريخيًا بقوة روابطه الاجتماعية وقدرته العالية على التعبئة والتضامن في لحظات الخطر الوجودي. رغم أن الحراك العشائري تحرك مرات عديدة و بتعداد كبير في جبهات محلية .
وعلى الجانب الآخر، طغت الحسابات الفصائلية والسياسية الضيقة للقوى السورية المختلفة على مفهوم التضامن الوطني الجامع، فتحولت المحافظة إلى ورقة للمساجلات الإعلامية وتصفية الحسابات السياسية بدلاً من أن تكون قضية إجماع وطني تتطلب استراتيجية إنقاذ موحدة.فهذا العجز بمستوياته الرسمية والاهلية والسياسية يهدد على المدى البعيد بتآكل الثقة التاريخية بين المجتمع والدولة، ويرسخ الإحساس بالتهميش والإقصاء لدى سكان الأطراف، مؤكداً أن الأمن الحقيقي يبدأ بصون كرامة الإنسان وحمايته قبل حماية الخرائط والحدود.
الفصل الخامس: إعادة رسم الجنوب السوري… عندما تتقاطع المصالح الإقليمية وتغيب إرادة السوريين
لم يعد الجنوب السوري ساحةً تُدار وفق الإرادة السورية وحدها، بل أصبح نقطة تقاطع لمصالح خارجية، لكل منها أولوياتها وحساباتها الاستراتيجية الخاصة. وفي خضم هذا التشابك وتنافس المشاريع الكبرى، تراجعت قدرة السوريين أنفسهم على التأثير في مصير مناطقهم، لتتحول درعا من فاعلٍ أساسي في صناعة الأحداث التاريخية إلى ساحة تتنافس فوقها القوى المختلفة دون أن يكون لأبنائها صوت مسموع في تقرير مستقبلهم.
تتحرك إسرائيل في الجنوب وفق سياسة طويلة الأمد لفرض شريط أمني ووقائع ميدانية مستدامة تضمن مصالحها الأمنية المباشرة، مستغلة حالة الضعف التي تمر بها مؤسسات الدولة السورية وتشتت قواها الاجتماعية. وفي المقابل، تكتفي الولايات المتحدة بالسعي للحفاظ على توازن إقليمي يمنع اندلاع مواجهات كبرى غير محسوبة، دون إعطاء اعتبار لترميم السيادة السورية، بينما تنشغل تركيا بالملفات الأكثر سخونة على حدودها الشمالية. هذا التقاطع الدولي جعل الجنوب السوري بمثابة ملف مؤجل على أجندات القوى الفاعلة، ومتروكاً للتحركات الميدانية الإسرائيلية المنفردة.
تقف حكومة أحمد الشرع المؤقتة أمام هذا الواقع في مأزق سياسي ؛ فرغبتها في تثبيت شرعيتها وإعادة بناء مؤسسات الحكم تفرض عليها تجنب المواجهات العسكرية المباشرة، لكن كلفة هذا الانكفاء والانتظار تفتح الباب واسعاً أمام قوى النفوذ الخارجي لتثبيت خرائط جديدة وفرض أمر واقع أمني وسياسي قد يستحيل تغييره أو التراجع عنه في المستقبل القريب.