مظفر مزوري
لم تعد مكافحة الفساد في العراق مجرد شعار سياسي يتكرر مع كل حكومة جديدة، بل تبدو اليوم أمام اختبار مختلف قد يعيد رسم العلاقة بين السلطة ومراكز النفوذ. فالساحة السياسية العراقية تشهد تطوراً لافتاً قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في إدارة ملف الفساد. فجر الاحد 28 حزيران، نفذت قوات النخبة التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب، مدعومة بالجيش العراقي وبأوامر مباشرة من رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، عملية أمنية واسعة النطاق شملت مداهمات ليلية مكثفة داخل المنطقة الخضراء وعدة أحياء في العاصمة بغداد، هذه الحملة غير المسبوقة أسفرت عن اعتقال سبعة وأربعين مسؤولاً رفيع المستوى، من بينهم نواب حاليون وسابقون، ومستشارون، ووكلاء وزارات، وشخصيات سياسية بارزة.
وجاءت هذه الاعتقالات بناءً على مذكرات قضائية واعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية الموقوف سابقاً، عدنان الجميلي، الذي عُثر بحوزته على مبالغ مالية ضخمة شملت ثمانية وتسعين مليار دينار عراقي وأحد عشر مليون دولار نقداً، فضلاً عن سبائك ذهبية وعقارات، مما شكل خيط البداية الذي قاد القضاء لإصدار سيل من مذكرات القبض.
استهدفت الحملة أسماء من العيار الثقيل، أبرزهم رئيس تحالف عزم مثنى السامرائي، ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج البهادلي المدرج على قوائم العقوبات الدولية، وإبراهيم الصميدعي مستشار رئيس الوزراء السابق، والنائب السابق محمد الصيهود المقرب من رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، بالإضافة إلى نواب بارزين مثل عالية نصيف وبهاء النوري، ومحافظ صلاح الدين الأسبق رائد الجبوري.
جاء توقيت الحملة خلال العطلة التشريعية، وهو ما جنب الحكومة الدخول في إجراءات رفع الحصانة، مما منح القوات الأمنية عنصر المفاجأة والمناورة القانونية السريعة.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة، فهذه الحملة تاتي لتعري المفارقة التي يعيشها الشارع العراقي، فمنذ عام ألفين وثلاثة، يرزح المواطن تحت وطأة انعدام شبه تام للخدمات الأساسية، من انقطاع مزمن للكهرباء، وتدهور القطاع الصحي، وتهالك البنى التحتية للمياه والمدارس، في وقت يرى فيه العراقيون طبقتهم السياسية والمسؤولين المتنفذين يعيشون في بذخ فاحش وقصور فارهة داخل المربع الأمني المحصن، ويمتلكون أرصدة وعقارات في عواصم العالم من أموال يفترض أنها خُصصت لإعمار البلاد.
هذا التباين منح الحملة زخماً شعبياً. لكن التأييد الشعبي وحده لا يكفي. فنجاح أي حملة من هذا النوع يعتمد في النهاية على نتائجها القضائية، لا على صداها الإعلامي، وإعادة الهيبة للقانون والدولة، ومحاولة جادة لاسترداد ثروات الشعب المنهوبة. كما أن استناد الحملة إلى أدلة مادية وضبطيات مالية ملموسة، مدعومة بغطاء قضائي وتفعيل لدور هيئة النزاهة، يمنحها مشروعية حقيقية أمام الرأي العام، إلى جانب قوى سياسية وازنة ترى في تفكيك شبكات الفساد خطوة أولى لإصلاح الاقتصاد المنهك.
من ناحية أخرى، تحيط بالحملة جملة من مخاطر سياسية وأمنية، على رأسها شبهة الانتقائية وتصفية الحسابات السياسية، إذ يرى مراقبون أن تركز الاعتقالات على شخصيات مقربة من الحكومة السابقة وائتلافها قد يحول الحملة إلى أداة للصراع الحزبي بدلاً من الإصلاح الشامل، وإذا غابت الشفافية المطلقة، ستفقد العملية شرعيتها الشعبية والقانونية. بالإضافة إلى ذلك، فإن اعتقال قادة كتل نيابية ينتمون لجهات مسلحة أو أحزاب نافذة قد يدفع تلك الأطراف إلى محاولة زعزعة الاستقرار الأمني للضغط على الحكومة والإفراج عن قياداتها. كما أن الخوف من الملاحقة قد يصيب العمل البيروقراطي في الوزارات بالشلل، حيث سيتجنب المسؤولون التنفيذيون توقيع العقود أو تسيير المشاريع خشية الوقوع في مصيدة الشبهات، مما قد يؤدي إلى تباطؤ في قطاع البنية التحتية.
تواجه حكومة علي الزيدي تحديات معقدة في هذا المسار، أبرزها مواجهة الدولة العميقة ونظام المحاصصة؛ المشكلة لا تتعلق بأشخاص بقدر ما تتعلق ببنية سياسية واقتصادية تراكمت خلال سنوات، والتحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من ضرب الأفراد إلى تفكيك الشبكات التي تمول ماكنات سياسية ضخمة. يضاف إلى ذلك التحدي الإقليمي والدولى، حيث إن تداخل ملف الفساد بتهريب النفط وغسيل الأموال يجعل من الحملة ساحة اشتباك غير مباشر بين قوى دولية وإقليمية تحاول ضبط حركة الدولار والنفط في المنطقة.
يبرز هنا سؤال جوهري آخر حول ما إذا كانت هذه الحملة ستطال كبار المسؤولين العراقيين أو “الرؤوس الكبيرة”، فالقراءة الواقعية تشير إلى أن الحملة دخلت بالفعل منطقة الخطوط الحمر بوصولها إلى رؤساء تحالفات ونواب حاليين. ومع ذلك، فإن امتدادها لتطال زعماء الخط الأول وقادة الفصائل النافذة سيعتمد بالدرجة الأولى على حجم الاعترافات المتدفقة من المعتقلين، ومدى قدرة الحكومة على تحمل تبعات الصدام المباشر.
برأيي الشخصي، النقطة الأكثر أهمية ليست عدد المعتقلين، بل ما إذا كانت هذه الحملة ستستمر عندما تقترب من الشخصيات الأكثر نفوذاً.
رئيس الوزراء علي الزيدي يدرك جيداً أن الصدام الجبهوي مع الزعامات التقليدية الكبرى قد يؤدي إلى إسقاط حكومته برمتها، لذا فإن السيناريو المرجح هو قضم المنظومة تدريجياً عبر استهداف الأذرع المالية والتنفيذية لهؤلاء القادة، بدلاً من الدخول في مواجهة مفتوحة قد تهدد السلم الأهلي.
ما يميز هذه الحملة أنها قد تعيد رسم العلاقة بين السلطة والأحزاب النافذة، فحكومة علي الزيدي اليوم تقف أمام اختبار سياسي مهم يتجاوز مجرد فكرة “حملة مكافحة فساد” تقليدية لتصل إلى مستوى إعادة تشكيل توازنات القوة داخل النظام السياسي العراقي بأكمله.
من خلال تسلسل الأحداث، يبدو أن الاعتقالات الأخيرة لم تكن نتاج صدفة إجرائية، بل تشير الى أن الحكومة تحاول التحرك تدريجياً؛ فاستغلال العطلة التشريعية للبرلمان، واستهداف الحلقات الوسطى والأذرع المالية (كالجميلي والمعارج) قبل الصدام مع الرؤوس الكبيرة، يعكس رغبة الحكومة في تجنب الصدمات العنيفة المباشرة مع الدولة العميقة مع الاستمرار في سحب البساط من تحت أقدامها.
ومع ذلك، ليست هذه المرة الأولى التي تُرفع فيها شعارات مكافحة الفساد في العراق، لذلك يبقى من المبكر إصدار أحكام نهائية بشأن هذه الحملة.
غير أن الرهان الحقيقي للحملة يظل محفوفاً بمعضلة السقف الزجاجي، فمنظومة المحاصصة والتوافق التي تأسست بعد عام ألفين وثلاثة بُنيت على أساس الكل يحمي الكل، وأي محاولة حقيقية لخرق هذا السقف والوصول إلى زعامات الخط الأول قد تدفع بالنظام إلى حافة الانتحار الجماعي أو الفوضى الأمنية. لذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتضمن مواجهة جبهوية شاملة، بل عملية قضم تدريجي وإعادة صياغة لقواعد اللعبة السياسية، بحيث تتقلص هوامش المناورة أمام الفاسدين دون إسقاط الهيكل العام للدولة.
في النهاية، لن يحكم العراقيون على هذه الحملة من خلال عدد المعتقلين أو حجم التغطية الإعلامية، بل من خلال أثرها على حياتهم اليومية. فإذا انعكست على الخدمات والاقتصاد واستعادة الأموال، ستكتسب مصداقية أكبر. أما إذا توقفت عند حدود الصراع السياسي، فمن المرجح أن تلقى مصير الحملات السابقة
إذا نجحت الحكومة في توظيف الأموال المستردة لتحسين الخدمات ومعالجة الأزمات المالية، فستكسب قدراً أكبر من الثقة الشعبية. أما إذا انتهت الحملة إلى تسويات سياسية، فمن المرجح أن تُنظر إليها بوصفها امتداداً لدورات الصراع السابقة، مما سيعمق الفجوة بين الشارع والسلطة ويُعجل بإنهاء العمر الافتراضي للحكومة الجديدة.
يبقى السؤال الحقيقي: هل تمثل هذه الاعتقالات بداية لتغيير قواعد اللعبة، أم أنها مجرد جولة جديدة في الصراع بين مراكز النفوذ؟ الإجابة لن تحددها البيانات الحكومية، بل ما ستكشفه الأشهر المقبلة.