برنامج الإصلاح بين بغداد وأربيل: صراع الإرادة وبناء الدولة في مواجهة جماعات النفوذ

الباحث الحقوقي رنج باراوي *

عندما تولى دولة رئيس الوزراء (علي فالح الزيدي) رئاسة الوزراء كأصغر رئيس حكومة في تاريخ العراق الحديث، ثار جدل واسع في الأوساط السياسية والإعلامية حول خلفيته المهنية. نحن أمام شخصية قضت حياتها العملية بالكامل في أروقة القطاع الخاص، الأسواق المالية، والتجارة الدولية الصارمة بطبيعتها الرقمية، ليجد نفسه فجأة في قمة الهرم التنفيذي لبلد يئن تحت وطأة أزمات هيكلية متراكمة.
هذه الخلفية المالية والاقتصادية خلقت نوعاً من التفاؤل لدى جزء من المراقبين، الذين رأوا فيه تكنوقراطياً يفهم لغة الأرقام والمعادلات السوقية الحديثة، وقادراً على إدارة الملفات بعيداً عن المزايدات التقليدية. وفي المقابل، يطرح المنظور الواقعي تساؤلاً حاسماً: هل يستطيع رجل كان لسنوات جزءاً من الحراك التجاري وضمن منظومة العقود العامة، أن يشهر سيف الإصلاح في وجه شبكات المصالح المعقدة التي تهيمن على مفاصل الدولة؟

إن البرنامج الإصلاحي المعلن لحكومة دولة رئيس الوزراء (علي فالح الزيدي)قدّم تشخيصاً دقيقاً للمشكلات البنيوية؛ فالتركيز على التحول الرقمي والحوكمة الإلكترونية يمثل خطوة جوهرية لتجفيف منابع الابتزاز الإداري والرشوة، والتي جرمها المشرع العراقي في قانون العقوبات العراقي رقم (111 لسنة 1969) في المواد من( 307) إلى (314) بفرض عقوبات صارمة على الموظفين الذين يستغلون مناصبهم لتحقيق مآرب شخصية. كذلك، فإن ضبط آليات “مزاد العملة” وإجراء إصلاحات في النظام المصرفي يعكس رغبة في إغلاق الثقوب السوداء لتهريب العملة، تماشياً مع الالتزامات الدستورية الواردة في المادة (110), (ثالثاً) من الدستور العراقي لعام( 2005)، والتي تمنح السلطة الاتحادية حصراً رسم السياسة النقدية وإدارتها.

ومع ذلك، فإن الخطأ الاستراتيجي الأكبر يكمن في اختزال الأزمة في جوانبها المالية فقط؛ فالفساد في جوهره هو تآكل للنظم المؤسسية. ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لإرادة الإصلاح يتمثل في مدى القدرة على اختراق القطاعات السيادية والتعليمية والأكاديمية، والتي عانت طويلاً من نظام المحاصصة الحزبية وتسليع المناصب العلمية. إن أي إصلاح اقتصادي لا يرتكز على بناء إنسان واعٍ ومؤسسات تعليمية نزيهة يظل كالبناء فوق الرمال، لأن البيئة التعليمية الفاسدة ستستمر في إعادة إنتاج النخب التي تقوض أي إنجاز مستقبلي.
البعد الإصلاحي في إقليم كردستان: الرؤية المؤسسية لحكومة بارزاني.

إن هذه الموجة الجديدة من محاربة الفساد والسعي نحو الإصلاح الهيكلي في بغداد لا يمكن فصلها بحال من الأحوال عن المشهد العام والتحولات الجارية في إقليم كردستان؛ فالترابط الوثيق والعميق بين المصالح الاقتصادية، المالية، والجغرافية بين بغداد وأربيل يفرض حتمية أن تكون العمليات الإصلاحية متزامنة ومترابطة في كلا الطرفين، وهو ما ينسجم مع النظام الاتحادي القائم على توزيع الصلاحيات وحفظ الحقوق الدستورية للإقليم وفقاً للمادتين (117 و121) من الدستور العراقي.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة دولة رئيس الوزراء (مسرور بارزاني)كأول رئيس حكومة في التاريخ السياسي الحديث للإقليم يتخذ من الإصلاح الشامل ومكافحة الفساد هوية أساسية وركيزة جوهرية لبرنامجه الحكومي، والعمل على تنفيذه بكل حزم وإصرار.
يُعرف دولة رئيس الوزراء (مسرور بارزاني) في الأوساط السياسية والشعبية بامتلاكه إرادة صلبة ورؤية حازمة في اتخاذ القرارات المصيرية؛ وانطلاقاً من خلفيته الاستراتيجية وإشرافه المباشر لسنوات على إدارة أدق الملفات الحساسة، امتلك معرفة دقيقة بمكامن الخلل ومواضع الهدر في المال العام. بناءً على هذه الرؤية، نجح في نقل ملف الإصلاح من إطار الشعارات إلى واقع تشريعي ملزم، تمثل في تشريع قانون الإصلاح في النظام المالي والوظيفة العامة والمتقاعدين القانون( رقم 2) لسنة (2020 )في إقليم كردستان, مانحاً العملية غطاءً قانونياً ومؤسسياً مستداماً.

ترتكز استراتيجية رئيس الوزراء على مبادئ الحكم الرشيد والشفافية؛ وقد تجسد ذلك عملياً في تطبيق بنود قانون الإصلاح، ولا سيما المواد( 2 و3 و5) من قانون الإصلاح في الإقليم، والتي نصت صراحة على إلغاء الرواتب والامتيازات غير القانونية، ومنع الازدواج الوظيفي، وإعادة تنظيم مخصصات الوظيفة العامة لضمان العدالة الاجتماعية. هذا إلى جانب رقمنة الخدمات الحكومية، وتنويع مصادر الدخل القومي والحد من الاعتماد المطلق على الإيرادات النفطية. إن الإصلاح بالنسبة لقيادة الإقليم ليس مجرد إجراء عابر، بل هو خيار استراتيجي وضمانة أساسية لحماية الكيان الدستوري لإقليم كردستان ومواجهة الضغوط الخارجية.
ويتطلع الشارع اليوم إلى استمرار هذه الخطوات بخطى أسرع لمواجهة احتكار الأسواق من قبل شركات الظل، وإحكام السيطرة الكاملة على المعابر، وتطهير دوائر الدولة من الروتين الموروث، لكي تنعكس ثمار هذا الإصلاح بشكل مباشر وملموس على الحياة المعيشية اليومية للمواطنين، وتعزيز جسور الثقة بين الشعب والسلطة.

نقاط القوة والتحديات والمخاطر الإستراتيجية:

من خلال قراءة تحليلية وواقعية للمشهد المعقد في بغداد وأربيل، يمكن تلخيص نقاط القوة والتحديات والمخاطر الإستراتيجية التي تواجه هذا المسار التاريخي ضمن المحاور التالية:

أولاً: نقاط القوة في مشروع ومسار الإصلاح:

ٲ:منطق السبب والنتيجة:لا يعتمد البرنامج الإصلاحي على خطابات إنشائية، بل يضع يده مباشرة على جذور الأزمات (النظام المصرفي، القطاع التعليمي، تنظيم الإيرادات، والتحول الرقمي).
ب:الواقعية السياسية والخارجية: الإدراك التام بأن ملف الفساد مرتبط بتوازنات دولية وإقليمية دقيقة (مثل التنسيق مع إجراءات الخزانة الأمريكية ودون الإخلال بالتوازنات الإقليمية).
ت:الغطاء والشرعية الشعبية:إن أقوى الأوراق الضاغطة هي التطلع الشعبي العارم والالتفاف الجماهيري حول القرارات الشجاعة التي تستهدف تفكيك شبكات المصالح الكبرى.

ثانياً: نقاط الضعف والمخاطر الإستراتيجية:

ٲ:الاصطدام بالواقع أثناء التنفيذ: تواجه البرامج عند تطبيقها كوابح حزبية ومراكز نفوذ، مما جعلها في بعض المراحل أقل قدرة على المساس بالملفات الحيوية للشركات الكبرى التابعة لجهات متنفذة.
ب:إغفال مركزية السلطة القضائية المستقلة: إن الاعتماد المفرط على القرارات الإدارية الصادرة من السلطة التنفيذية دون العمل بالتوازي على تمكين استقلال القضاء وتفعيل الهيئات الرقابية كـ (هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية)، قد يؤدي إلى إضفاء طابع شخصي على عملية الإصلاح بدلاً من تحويلها إلى نهج مؤسسي مستدام، وهو ما حذرت منه القوانين العقابية والدستورية التي تؤكد على مبدأ الفصل بين السلطات وفقاً لـ المادة (47 )من الدستور العراقي.
ت:استغلال الخلفيات السياسية كأوراق ضغط مضادة: تسعى القوى المتضررة دائماً إلى استخدام الملفات السياسية القديمة أو العلاقات التجارية السابقة كأدوات في الحرب الإعلامية للتشكيك في حيادية العملية الإصلاحية برمتها.
ث: غياب الخطط البديلة في حالات الانسداد:يبرع التشخيص في عرض حجم العقبات، لكنه يفتقر أحياناً إلى وضع سيناريوهات مسبقة لكيفية تجاوز الاستعصاء السياسي أو التوترات التي قد تنتج عن كسر الخطوط الحمراء لبعض القوى.

لقد أثبتت التجارب التاريخية في هذه المنطقة أن المعضلة الأساسية لم تكن يوماً في غياب الخطط والبرامج المصاغة بلغة تكنوقراطية منمقة، بل كانت دائماً في “إرادة التنفيذ” والاستمرارية. إن الفساد في هذه الجغرافيا ليس مجرد انحراف عابر، بل هو شبكة مصالح معقدة وشريان تغذية أساسي للعديد من القوى السياسية.
إن دولة رئيس الوزراء (علي فالح الزيدي) في بغداد بمنهجه المالي الصارم، ودولة رئيس الوزراء (مسرور بارزاني) في أربيل بإرادته السياسية والمؤسسية، يقفان اليوم أمام اختبار تاريخي حاسم لا يقبل التراجع؛ فمن أجل إقناع الشارع، يجب إثبات القدرة على تجاوز الحسابات السياسية المؤقتة وكسر الخطوط الحمراء في كافة القطاعات من المصارف والمعابر إلى أروقة الجامعات والمؤسسات التعليمية، وبخلاف ذلك، ستتحول هذه المحاولات إلى مجرد نسخ جديدة لإدارة الأزمات المتراكمة بدلاً من استئصالها من جذورها.

*رئیس معهد الاصلاح الجنائي كردستان العراق

قد يعجبك ايضا