أ.عبدالكريم مراد
حين تفقد الأمَّة لغتها، وتتفكَّك أسرتها، وتبهت ذاكرتها، فإنَّها لا تُهزم من الخارج بقدر ما تتآكل من الداخل. وهذا ما يفرض علينا، بقدر من الصراحة والمسؤوليّة، أن نتأمل واقع أبناء الجالية الكورديّة في أوروبّا، بعيدًا عن المجاملات أو الصور المثاليَّة.
فبينَ وعود الاندماج وضغوط الغربة، تتشكَّل ملامح جيلٍ يقف على مفترق طرق: إمَّا أن ينجح في التوفيق بين انتمائه القوميّ ومتطلبات الواقع الجديد، أو أن ينزلق تدريجياً نحو فقدان هويَّته، لغةً وثقافةً وسلوكاً. وما نشهده اليوم ليس مجرد تحوُّلات عابرة، بل مؤشِّرات عميقة تستدعي وقفةً جادة، قبل أن يصبح الضَّياع واقعاً يصعب تداركه.
ليست الغربة مجرد انتقال جغرافيّ من مكانٍ إلى آخرَ، بل هي تحوّل عميق يمسّ اللّغة والهويَّة والبنية الاجتماعيّة. وفي خضمّ هذا التحوّل، يواجه أبناء الجالية الكورديَّة في أوروبّا تحدِّيات متراكمة، لا تتعلَّق فقط بمتطلبات الاندماج، بل تمتدُّ إلى جوهر الانتماء القوميّ والثقافيّ.
أولى هذه التحديات تكمن في الفهم الملتبس لمعنى الحضارة في المجتمعات الأوروبيَّة. فالحضارة ليست انفلاتاً من القيم، ولا تفكُّكاً في الروابط الأسريَّة، بل هي منظومة متكاملة تقوم على التوازن بين الحريَّة والمسؤوليَّة. غير أنَّ بعض المهاجرين يقعون في خطأ تفسير هذا المفهوم، مما يؤدّي إلى ارتفاع معدّلات الطّلاق والتفكّك الأسريّ، وهو ما ينعكس سلباً على الأبناء في تَنْشئتهم وسلوكهم وتحصيلهم العلميّ ومستقبلهم. بل إنّ المأساة تبدأ أحياناً قبل الاستقرار، حين يفترق الأبوان في مسارات الهجرة أو عند لمّ الشمل، دون أن يكون الأبناء في صدارة الاهتمام.
أما اللُّغة الأم، فهي الركيزة الأولى في بناء الهويّة. ومع ذلك، تشهد تراجعاً ملحوظاً بين الأجيال الجديدة، رغم الجهود المشكورة التي تبذلها المنظمات الثقافيّة الكورديّة في الدعوة إلى الحفاظ عليها. إنَّ تداخل اللّغات الأوروبيّة في الحياة اليوميّة للأطفال، وغياب الاستخدام المنهجيّ للّغة الكورديَّة في المنزل، يؤدِّيان تدريجياً إلى تآكلها، حتى تصبح لغةً ضعيفةً أو هجينة، وربما مهدَّدة بالاندثار في الأجيال القادمة. والمفارقة المؤلمة أنَّ الآباء والأجداد حافظوا على هذه اللّغة في أقسى الظروف، تحت وطأة القمع والاستبداد، بينما تضيع اليوم في بيئة أكثر أماناً وحريّةً.
ومن الظواهر اللافتة أيضاً تنامي السلوك الانطوائيّ لدى بعض الأطفال، حيث تهيمن العزلة الرقميّة على حياتهم. ينشغل الطفل بعالمه الافتراضيّ عبر الهاتف الذكيّ والحاسوب، ويبتعد تدريجياً عن التفاعل الاجتماعيّ الحقيقيّ، فلا يكاد يشعر بما يجري حوله في محيطه الأسريّ أو المجتمعيّ، باستثناء مناسبات محدودة كالأعياد أو الأنشطة المدرسيَّة.
ويُضاف إلى ذلك ضعف الدوافع التربويّة التي تسهم في صقل شخصيّة الطفل ثقافيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً وحتى دينيّاً، مما يتركه عرضة للسطحيّة في فهم الحياة، وانحصار اهتماماته في الجانب الماديّ فقط. وفي بعض الحالات، قد ينزلق نحو سلوكيات سلبيّة كالتَّدخين أو تعاطي المخدرات، فيفقد صلته بأصالته، دون أن يمتلك في الوقت نفسه أدوات الاندماج الواعي في المجتمع الجديد.
ومن القضايا الحساسة كذلك تزايد حالات الزواج المختلط بين الشباب الكورد والأوروبيين، سواء برغبة شخصيّة أو تحت تأثير الواقع الاجتماعيّ. ومع إنجاب الأطفال في هذا السّياق، يزداد احتمال ذوبان الهويّة القوميّة والدينيّة في بوتقة المجتمعات الأخرى، خصوصاً في ظلّ غياب برامج واعية للحفاظ على الخصوصية الثقافيّة.
وليس من باب التشاؤم أو جلد الذات طرح هذه القضايا، بل هو استجابة لنداء الواقع. فرغم كثرة الاجتماعات والندوات التي تعقدها المؤسسات والهيئات الكوردية في أوروبا، وما يصدر عنها من بيانات تؤكد أهميّة اللُّغة والثقافة والتراث، تبقى النتائج محدودة على أرض الواقع. ولعلّ أبرز ما حافظ عليه الجيل الجديد حتى الآن هو بعض المظاهر الرمزيّة، كاللباس الكورديّ في المناسبات، والاحتفال بعيد النوروز، في حين تتراجع المضامين الأعمق للهويَّة.
إنَّ المسؤولية اليوم جماعيَّةٌ، تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند المؤسسات. فلا بدَّ من تكريس اللُّغة الأم في البيوت، وتعزيز الوعي الثقافيّ، وربط الأبناء بتاريخهم وقضيتهم، بما يحققُّ توازناً حقيقيّاً بين الاندماج الإيجابيّ والحفاظ على الهويّة. فالأمم لا تضيع فجأة، بل تتآكل بصمت… حين تُهمل جذورها.