الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي
في كلِّ مرحلةٍ من مراحل البناء الوطني، تظهر أصواتٌ تُحاول أن تجعل الناس يختارون بين قيمٍ متكاملة، وكأنَّ التقدُّم لا يتحقق إلا بالتخلي عن جانبٍ من جوانب القوة. ومن هنا برزت تساؤلاتٌ حول مشروع مسجد بارزاني الكبير، بين من يرى أن الأولوية يجب أن تكون للمساجد، ومن يرى أن الأموال ينبغي أن تُوجَّه إلى المدارس والجامعات.
غير أنَّ هذا الطرح يُصوِّر القضية على غير حقيقتها؛ فالأمم العظيمة لا تنهض بمنطق «إمَّا… أو»، وإنما بمنطق «معًا». فالمجتمع الذي يبني المدرسة ويهمل هويته يفقد روحه، كما أن المجتمع الذي يبني المسجد ويهمل العلم يضعف مستقبله. أما المجتمع الذي يجمع بين العلم والإيمان، وبين المعرفة والقيم، فهو الذي يصنع الحضارة الراسخة.
إنَّ المسجد في الإسلام لم يكن يومًا مكانًا للصلاة فقط، بل كان مدرسةً للعلم، ومنبرًا للحكمة، ومجلسًا للشورى، ومركزًا للإصلاح الاجتماعي. ومنه خرج العلماء والقادة والمصلحون الذين أسهموا في بناء حضارةٍ أضاءت العالم قرونًا طويلة.
وفي المقابل، فإنَّ المدرسة تُخرِّج الطبيب والمهندس والمعلم والباحث، وهي أساس التقدم العلمي والاقتصادي. ولذلك فإنَّ المسجد والمدرسة ليسا مشروعين متنافسين، بل هما شريكان في صناعة الإنسان الصالح والعالم النافع.
كما أنَّ الشعوب الحية لا تكتفي ببناء المؤسسات الخدمية، بل تحرص على إنشاء معالم حضارية تحفظ ذاكرتها الوطنية، وتعكس هويتها الثقافية، وتُعرِّف العالم بتاريخها. فالمعالم الكبرى ليست حجارةً صامتة، وإنما رسائل حضارية تبقى شاهدةً على تاريخ الأمم وعطائها.
وإذا نُفِّذ مشروع مسجد بارزاني الكبير وفق رؤيةٍ شاملة، تجمع بين العبادة والثقافة والتعليم والعمل المجتمعي، فإنه لن يكون مجرد مسجد، بل سيكون منارةً علميةً وثقافيةً، ومَعْلمًا حضاريًا يفتخر به أبناء كوردستان، ويستقطب الزوار والباحثين، ويُسهم في تنشيط الحركة الثقافية والسياحية والاقتصادية.
إنَّ الأوطان القوية لا تبني الإنسان على حساب الهوية، ولا تحفظ الهوية على حساب العلم، بل تجعل من العلم والإيمان جناحين يحلِّق بهما الوطن نحو مستقبلٍ أكثر استقرارًا وازدهارًا.
ولهذا فإنَّ السؤال الصحيح ليس: هل نبني مسجدًا أم مدرسة؟ وإنما: كيف نبني مسجدًا يُخرِّج القيم، ومدرسةً تُخرِّج العقول، ووطنًا يجمع بين الإيمان والعلم، وبين الأصالة والتقدم؟
فحين تتكامل الرؤية، تتحول المشاريع الكبرى إلى استثمارٍ في الإنسان، وإلى إرثٍ حضاري يبقى أثره في الأجيال، وتصبح نهضة الوطن حقيقةً تُرى، لا مجرد حلمٍ يُتمنى.