حين تُقطف الأوراق… وتبقى الجذور

تزرين يعقوب سولا

نشهد هذه الأيام ما يشبه ما يقوم به بعض البستانيين الذين يقومون بقطف بعض الأوراق الصفراء، ويزيلون بضعة أغصان يابسة ، دون اقتلاع جذورها.
ثم يلتقطون صورة جميلة للبستان.
وهكذا، بعد أول مطر، تنبت الأعشاب من جديد، وربما أكثر كثافة من السابق.
وبينما تتصدر هذه الأيام أخبار ملاحقة الفاسدين واعتقال بعض المسؤولين عناوين الأخبار، ليستقبلها الناس بمزيج من الارتياح والحذر.
وبما ان العدالة ومحاسبة من أساء إلى المال العام أو استغل السلطة. هي مطلب الجميع.
لكن الناس، وقد أثقلتهم تجارب السنوات، لم يعودوا يكتفون بالعناوين. بل يسألون: هل نحن أمام بداية إصلاح حقيقي، أم أمام مشهد يراد له أن يثبت أن هناك حرباً على الفساد.
ولعل أكثر ما يطمئن الناس ليس مشهد الاعتقال بحد ذاته، وإنما استمرارية العدالة. فالعدالة التي تبدأ عند الصغار وتتوقف عند الكبار، أو تقترب من خصوم وتبتعد عن حلفاء، تثير الأسئلة أكثر مما تقدم الإجابات.
لهذا، يبقى المواطن يراقب بصمت، منتظراً ما ستكشفه الأيام. فإن كانت هذه الخطوات بداية لمسار طويل من الإصلاح، فإن الجميع سيصفق لها. أما إذا توقفت عند حدود المشهد الإعلامي، فستبقى أشبه بمن يقطف بعض الأوراق الصفراء، بينما تمتد الجذور في العمق، تستعد لإنتاج موسم جديد من الأعشاب.
فالفساد لا يخشى الضجيج بقدر ما يخشى قانوناً لا يستثني أحداً، وقضاءً مستقلاً، ورقابةً لا تعرف الانتقائية. وعندها فقط، لن يحتاج أحد إلى إعلان الحرب على الفساد، لأن الفساد نفسه لن يجد أرضاً ينبت فيها.
والمنظومة التي تصنع الفساد قادرة، إن بقيت على حالها، على إنتاج دفعات جديدة منه، كما تنتج الأرض الرطبة الأعشاب الضارة كلما أزيلت أطرافها وبقيت جذورها.
وإذا عاد البستان إلى الاخضرار، وعادت الأشجار تعطي ثمارها، واختفت الأعشاب لأنها فقدت البيئة التي تنمو فيها، عندها يمكن القول إن العلاج كان حقيقياً.
أما إذا بقيت الجذور تختبئ تحت التراب، فلن تكون الأوراق الصفراء التي قُطفت سوى أوراق أُخرى سيحل محلها غيرها، وسيظل البستان، مهما ازدانت صوره، يحمل المرض نفسه في أعماقه.

قد يعجبك ايضا