الحقوقي : خلف سعيد الشرفاني
مع الانتشار الواسع للإنترنت في مختلف أنحاء العالم، أصبح هذا الاختراع جزءًا أساسيًا من حياة الناس اليومية، ولم يعد استخدامه مقتصرًا على فئة عمرية أو مهنية معينة، بل بات يشكل العمود الفقري للعديد من جوانب الحياة المعاصرة. إلا أن هذا التطور التكنولوجي الكبير رافقته تحديات ومخاطر متعددة، أبرزها استغلال بعض الأشخاص للفضاء الإلكتروني في إيذاء الآخرين وابتزازهم بطرق مختلفة ومتجددة، خاصة مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وانتشاره على نطاق واسع ومع انتشار الاتصالات الرقمية وانتعاش منصات التواصل والاقتصاد الإلكتروني، ظهرت جرائم إلكترونية متنوعة (اختراق، احتيال، ابتزاز، نشر معلومات مغلوطة، تزييف عميق…) تشكل تهديداً للأمن الشخصي والاقتصادي والقومي.
وقد دفعت هذه التحديات العديد من الدول إلى إنشاء وحدات وأقسام متخصصة لاستقبال شكاوى المواطنين والتعامل مع الجرائم الإلكترونية بمهنية عالية. فكثيرًا ما يتعرض الأشخاص لعمليات اختراق لحساباتهم الشخصية، أو يتم إرسال روابط خبيثة إلى أصدقائهم ومعارفهم بهدف السيطرة على أجهزتهم أو حساباتهم، ومن ثم استخدام هذه الحسابات في نشر محتوى مسيء أو ابتزاز أصحابها ماديًا أو معنويًا، تحت التهديد بتشويه السمعة أو نشر معلومات وصور خاصة.
ولا تقتصر هذه الجرائم على فئة معينة من المجتمع، بل تستهدف الجميع دون استثناء، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، أفرادًا عاديين أو شخصيات عامة واعتبارية. وتزداد خطورة هذه الجرائم مع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في فبركة الصور ومقاطع الفيديو وإنتاج محتوى مزيف قد يسيء إلى سمعة الأشخاص ويضعهم في مواقف محرجة أو أزمات نفسية واجتماعية صعبة.
وتدرك الدول المتقدمة تكنولوجيًا خطورة هذه الظاهرة، لذلك طورت منظومات قانونية وأمنية متخصصة لمكافحتها. ففي اقليم كوردستان العراق ، على سبيل المثال، حيث اقرت حكومة اقليم كوردستان قانون سوء استخدام اجهزة الاتصالات وهي المادة (2) من قانون منع إساءة استعمال أجهزة الاتصالات في إقليم كوردستان – العراق (رقم 6 لسنة 2008) على معاقبة كل من أساء استعمال أجهزة الاتصال وبعدها الحكومة المركزية استحدثت وزارة الداخلية مديرية مكافحة الجرائم الإلكترونية لمكافحة الجرائم الإلكترونية، تعمل بكفاءة عالية على ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم وحماية المواطنين من عمليات الاحتيال والابتزاز والتشهير الإلكتروني، وذلك ضمن إطار قانوني يحفظ الحقوق ويصون كرامة الأفراد.
وعندما يقوم أحد المخترقين بإرسال رابط إلكتروني خبيث إلى أحد أصدقاء الشخص المستهدف، قد يتم فتح الرابط دون إدراك مخاطره، مما يؤدي إلى اختراق الجهاز أو الحساب الإلكتروني. وبعد ذلك تبدأ عملية استغلال المعلومات أو الحسابات في نشر الأكاذيب والإشاعات أو الإساءة إلى الآخرين، وهي ممارسات تسببت في معاناة الكثير من الأشخاص وألحقت بهم أضرارًا نفسية واجتماعية كبيرة.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي الرقمي، إذ تحرص معظم دول العالم على تحذير مواطنيها من مخاطر الروابط المشبوهة من خلال وسائل الإعلام المختلفة، والمواقع الرسمية، والرسائل النصية التوعوية. كما تؤكد الجهات المختصة باستمرار ضرورة عدم فتح أي رابط مجهول المصدر أو مشاركة البيانات الشخصية مع جهات غير موثوقة، لما قد يترتب على ذلك من أضرار جسيمة.
إن التطور التكنولوجي نعمة كبيرة إذا أُحسن استخدامه، لكنه قد يتحول إلى أداة خطيرة إذا وقع في أيدي العابثين والمجرمين الإلكترونيين. لذلك يبقى الوعي، والحذر، والالتزام بالإرشادات الأمنية، والتعاون مع الجهات المختصة، من أهم الوسائل لحماية الأفراد والمجتمعات من مخاطر الجرائم الإلكترونية المتزايدة.