لبنان ما بعد الحرب… وما قبل السلام

محمد علي الحيدري

في تاريخ الدول لحظات لا تُقاس بحجم الوثيقة التي تُوقَّع، بل بما تفتحه من احتمالات. وما شهدته الساحة اللبنانية أخيراً يندرج ضمن هذه اللحظات. فبعد عقود من الحروب والهدنات الهشة والوساطات الدولية، دخل لبنان وإسرائيل في إطار سياسي جديد برعاية أمريكية، يهدف إلى إنهاء حالة الحرب وفتح الطريق أمام ترتيبات أمنية وسياسية أوسع.

بعيداً عن المواقف المؤيدة أو الرافضة، فإن الحدث يستحق قراءة هادئة، لأن الانفعال لا يصنع تحليلاً، ولأن المنطقة بأسرها تعيش مرحلة إعادة رسم للتوازنات والتحالفات.

من الخطأ تصوير ما جرى على أنه مجرد تنازل لبناني، كما أنه من الخطأ اعتباره انتصاراً كاملاً لأي طرف. فالقرارات الكبرى لا تُقاس بالشعارات، وإنما بالنتائج التي تترتب عليها. وإذا كان الاتفاق يطمح إلى توفير الاستقرار على الحدود الجنوبية، فإن نجاحه سيظل مرهوناً بقدرة جميع الأطراف على تنفيذ ما التزموا به، وبمدى قبول الداخل اللبناني بهذا المسار.

لقد دفع لبنان، على امتداد عقود، ثمناً باهظاً للصراع مع إسرائيل. دفعت الدولة، ودفع الجنوب، ودفع المدنيون، كما دفعت المقاومة أثماناً بشرية كبيرة في مواجهاتها العسكرية. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها أو القفز فوقها. وفي الوقت نفسه، فإن اللبنانيين دفعوا أيضاً أثماناً اقتصادية واجتماعية وسياسية نتيجة استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، وما رافقها من أزمات متراكمة أنهكت الدولة ومؤسساتها.

لهذا، فإن أي محاولة لخفض احتمالات الحرب تستحق الدراسة الجادة، بعيداً عن لغة التخوين أو الاحتفال. فالسلام الحقيقي لا يُفرض بالبيانات، كما أن المقاومة ليست مجرد شعار، بل تجربة تاريخية ارتبطت بظروف الاحتلال والاعتداءات المتكررة. وكل قراءة منصفة ينبغي أن تعترف بأن لكل مرحلة أدواتها، وأن ما كان مناسباً في زمن قد يحتاج إلى مراجعة في زمن آخر.

في المقابل، فإن من حق اللبنانيين أيضاً أن يتساءلوا: هل يستطيع هذا المسار أن يمنحهم استقراراً دائماً؟ وهل ستتحول الوعود الدولية إلى ضمانات حقيقية، أم أن المنطقة ستعود إلى دوامة التصعيد عند أول أزمة إقليمية؟

إن التحدي الأكبر لا يكمن في توقيع الاتفاقات، بل في بناء الثقة. فالثقة بين الدول لا تُبنى في يوم واحد، والثقة داخل لبنان نفسه لا تقل أهمية عن الثقة مع الخارج. وإذا شعر أي مكون لبناني بأن مصالحه أو تضحياته جرى تجاوزها، فإن أي اتفاق سيبقى هشاً، مهما كانت الضمانات الدولية.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى حوار لبناني داخلي يسبق أي اصطفاف جديد. فالدولة القوية لا تُبنى بإقصاء أحد، ولا بتهميش تضحيات أحد، بل بالتوافق على أن يكون القرار الوطني قراراً جامعاً، وأن تُدار الخلافات عبر المؤسسات، لا عبر ساحات المواجهة.

إن ما يجري اليوم ليس نهاية قصة الصراع اللبناني الإسرائيلي، بل ربما بداية فصل مختلف منها. وقد يكون هذا الفصل أكثر استقراراً إذا نجح اللبنانيون في تحويله إلى مشروع وطني، لا إلى مادة جديدة للانقسام الداخلي.

ويبقى الحكم النهائي بيد الوقائع لا الأمنيات. فإذا نجح هذا المسار في حماية لبنان من حرب جديدة، وتعزيز سيادة الدولة، وتهيئة بيئة تساعد على التعافي الاقتصادي، فسوف يسجل التاريخ أنه كان نقطة تحول. أما إذا بقي مجرد إطار سياسي عاجز عن تجاوز الانقسامات الداخلية والتوترات الإقليمية، فسيلحق بقائمة طويلة من المبادرات التي بدأت بوعود كبيرة وانتهت إلى نتائج محدودة.

في النهاية، لا يحتاج لبنان اليوم إلى منتصر جديد بقدر ما يحتاج إلى دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد يتعافى، وحدود لا تتحول كل بضع سنوات إلى ساحة حرب. فهذه، في نظر معظم اللبنانيين، هي المعركة التي تستحق أن تُربح.

قد يعجبك ايضا