متابعة التآخي
في عالم يتغير بسرعة تفوق توقعات الأمس، لم يعدالسؤال المطروح: هل نحتاج إلى التغيير؟ لأن الإجابةأصبحت محسومة. السؤال الحقيقي هو: كيفنصنع ثقافة تجعل التجديد جزءاً من الحياة اليومية؟وكيف نربي أجيالاً ترى في التعلم المستمر ضرورة لاترفاً، وفي المبادرة مسؤولية لا مغامرة؟…
ليست كل المجتمعات التي تتوقف عن التقدممجتمعات فقيرة بالموارد أو ضعيفة الإمكانات. فبعضها يمتلك ثروات طبيعية كبيرة، وطاقات بشريةواسعة، وفرصاً قد تحسدها عليها أمم أخرى، ومعذلك يبقى عاجزاً عن تحقيق قفزات حقيقية نحوالمستقبل. المشكلة في مثل هذه الحالات لا تكمن فينقص الإمكانات بقدر ما ترتبط بطريقة التفكيرالسائدة، وفي العلاقة التي تنشأ بين الإنسان ومااعتاد عليه من أفكار وسلوكيات وأنماط حياة.
فالتاريخ يخبرنا أن أخطر ما يمكن أن يصيبالمجتمعات ليس الفقر وحده، ولا الأزمات العابرة،وإنما اعتياد الركود حتى يتحول إلى ثقافة عامة. عندها يصبح المألوف أكثر قوة من المنطق، ويغدوالتمسك بالسائد قيمة بحد ذاته، مهما أثبت الواقعمحدوديته أو عجزه عن مواكبة التحولات المتسارعةمن حوله.
في كثير من الأحيان لا يظهر الجمود بوصفه مشكلةواضحة المعالم. فهو لا يأتي على هيئة أزمة صاخبةأو انهيار مفاجئ، وإنما يتسلل بهدوء إلى تفاصيلالحياة اليومية. يبدأ من الأفكار الجاهزة، ومنالخوف من التجريب، ومن الميل إلى تكرار الحلولنفسها مهما تغيرت الظروف. ثم يتوسع تدريجياًليشمل المؤسسات التعليمية والثقافية والإدارية، حتىيصبح التجديد استثناءً، بينما تتحول الرتابة إلىقاعدة مستقرة.
وما يجعل هذه الظاهرة أكثر تعقيداً أن أصحابها لايشعرون بخطورتها غالباً. فالإنسان بطبيعته يميلإلى المناطق الآمنة التي اعتادها، ويجد في التكرارنوعاً من الطمأنينة. غير أن المجتمعات التي تبنيمستقبلها على هذا الشعور وحده تنتهي إلى خسارةأهم عناصر النهوض، وهو القدرة على مراجعة الذاتوإعادة التفكير في المسلمات.
لقد تغير العالم بوتيرة غير مسبوقة. التقنيات تتطوركل يوم، والاقتصادات تعيد تشكيل نفسها،والوظائف التي كانت موجودة قبل سنوات قليلةتختفي لتحل محلها تخصصات جديدة. وفي خضمهذه التحولات لم يعد كافياً أن يحافظ المجتمع علىما يمتلكه، لأن الثبات في عالم متحرك يعني التراجعبصورة غير مباشرة.
ولعل التحدي الأكبر يكمن في أن الجمود لا يقتصرعلى الأفراد، بل يمكن أن يتحول إلى مزاج جمعي. فعندما تنشأ الأجيال على الخوف من الخطأ أكثرمن شغف الاكتشاف، وعلى حفظ الإجابات أكثر منطرح الأسئلة، فإنها تكتسب مع الوقت ميلاً إلىالامتثال بدلاً من المبادرة. وهنا تبدأ دائرة مغلقة يعيدفيها المجتمع إنتاج الأساليب ذاتها جيلاً بعد جيل.
وتلعب المؤسسات التربوية دوراً محورياً في هذهالمسألة. فالمدرسة التي تركز على التلقين وحده تنتجعقلاً يبحث عن الإجابة النموذجية ولا يبحث عنالاحتمالات الأخرى. والجامعة التي تمنح المعرفة دونأن تنمي روح النقد والتحليل تخرج أفراداً قادرينعلى التذكر أكثر من قدرتهم على الابتكار. أماالأسرة التي تخشى على أبنائها من التجربة، فقدتجد نفسها من حيث لا تشعر تزرع فيهم الخوف مناتخاذ المبادرة.
لهذا السبب لم تعد قضية التغيير مسألة فرديةفحسب، بل أصبحت مشروعاً مجتمعياً متكاملاً. فالمجتمعات المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنهاتمتلك أفراداً أكثر ذكاءً بالضرورة، وإنما لأنها نجحتفي بناء بيئات تشجع السؤال، وتحترم الاختلاف،وتكافئ المحاولة، وتتعامل مع الخطأ بوصفه جزءاً منعملية التعلم وليس نهاية لها.
ومن المهم هنا التمييز بين المحافظة على القيم وبينمقاومة التغيير. فالقيم الراسخة تمنح المجتمع هويتهواستقراره، أما الجمود فيمنعه من تطوير أدواتهوأساليبه في التعامل مع الواقع. وبين الأمرينمساحة واسعة تسمح بالتوازن بين الأصالةوالتجديد، وبين الثوابت والمتغيرات.
كما أن التحول نحو مجتمع أكثر حيوية لا يبدأ منالمشاريع الكبرى دائماً. أحياناً تنطلق رحلة التغييرمن خطوات صغيرة جداً؛ كتاب جديد يفتح أفقاًمختلفاً، أو تجربة تطوعية تكسر العزلة، أو فكرةمبتكرة تجد من يؤمن بها، أو مؤسسة تمنح الشبابفرصة حقيقية للمبادرة. فالتقدم في جوهره تراكممستمر لقرارات صغيرة تتجه جميعها نحو الأمام.
وفي عالم يتغير بسرعة تفوق توقعات الأمس، لم يعدالسؤال المطروح: هل نحتاج إلى التغيير؟ لأن الإجابةأصبحت محسومة. السؤال الحقيقي هو: كيفنصنع ثقافة تجعل التجديد جزءاً من الحياة اليومية؟وكيف نربي أجيالاً ترى في التعلم المستمر ضرورة لاترفاً، وفي المبادرة مسؤولية لا مغامرة؟
إن الأمم لا تتراجع لأنها تفتقر إلى الموارد فقط،وإنما قد تتراجع حين تتوقف عن مراجعة أفكارهاوأساليبها. وعندما يتحول الاعتياد إلى قيد، وتصبحالرتابة بديلاً عن الإبداع، يبدأ الفارق بالاتساع بينهاوبين العالم من حولها. أما المجتمعات التي تحافظعلى يقظة عقلها الجماعي، وتمنح أبناءها مساحةللتجريب والتفكير الحر، فإنها تظل قادرة على تجديدنفسها مهما تبدلت الظروف وتغيرت التحديات.
فالنهضة في نهاية المطاف ليست حدثاً عابراً، وإنماعقلية مستمرة، تبدأ من الفرد وتمتد إلى المجتمعبأكمله، وتصنع الفرق بين من يراقب المستقبل منبعيد، ومن يشارك في صناعته.