ياسين الحديدي
لا تجعلوا الحماس والانفعال العشائري يقودانكم إلى هدم ما تبقى من الوطن، ولا تنساقوا وراء مفاهيم خاطئة توحي بأن العشيرة أهم من الوطن. فالعشيرة قيمة اجتماعية محترمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدولة، ولا ينبغي أن تتقدم على المصلحة الوطنية.
إن الديمقراطية ليست أداةً للفرز العشائري أو للمفاخرة بالانتماءات القبلية أو المناطقية، ولا سيما في مدينة كركوك التي ينبغي أن تبقى نموذجًا للتعايش ووحدة المجتمع. فالديمقراطية، في جوهرها، هي وسيلة حضارية لاختيار الأكفأ والأصلح والأقدر على خدمة الناس وإدارة شؤونهم.
في الديمقراطيات الحقيقية لا تُبنى الحملات الانتخابية على سؤال: من أي عشيرة أو طائفة أو مدينة أنت؟ بل يكون السؤال: ماذا ستقدم للمواطن؟ ما كفاءتك؟ وما خبرتك؟ وما برنامجك لخدمة المجتمع؟
أما في عراقنا، وللأسف، فقد أُفرغت الديمقراطية من مضمونها الحقيقي، وتحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة للتفتيت والانقسام بدلًا من أن تكون وسيلة للوحدة والبناء. فأصبح كثير من الناخبين يختارون ممثليهم على أساس الطائفة أو القومية أو العشيرة، لا على أساس الكفاءة والنزاهة والإخلاص، وكأننا نفتح أبواب الوطن للفساد وسوء الإدارة.
إن الديمقراطية الحقيقية طريقٌ لتجاوز الانقسامات التي عانى منها العراقيون طويلًا، ولترسيخ مبدأ أن الوطن هو الجامع الأكبر، وأن الولاء الأول يجب أن يكون له. ففي ظلها يختار الناس من يحمل الأمانة، ويحسن القيادة، ويخدم الجميع، لا من يرفع شعارات التعصب، أو يتستر على الفساد، أو يُقصي أصحاب الكفاءة والإخلاص.
وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من الفرقة والاختلاف، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى طائفتك أو قوميتك أو عشيرتك، وإنما ينظر إلى عملك وإخلاصك وتقواك. فأي ديمقراطية نريد؟
هل نريد ديمقراطية تُنتج برلمانًا عاجزًا عن أداء دوره، وتزيد من أزمات البلاد؟
أم نريد ديمقراطية تبني المستشفيات والمدارس والجامعات، وتطور الخدمات، وتسن القوانين العادلة، وتحقق للمواطن حياة كريمة ودولة قوية تقوم على العدالة وسيادة القانون؟ إن الجواب بأيدينا، وبوعينا، وبأصواتنا في صناديق الاقتراع.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل بلغ المواطن مستوى الوعي الذي يمكنه من الاختيار الصحيح؟ وهل تعلمنا من دروس الماضي المتكررة؟ إلى متى سنواصل تكرار الأخطاء نفسها، وندفع ثمنها مرة بعد أخرى؟ لقد آن الأوان لأن نرتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وأن نتجاوز الصراعات الشخصية والعشائرية، التي كثيرًا ما تتحول إلى نزاعات جماعية يدفع الجميع ثمنها، حتى أبناء العشيرة الواحدة.
اختاروا من يحمل همومكم، لا من تحملونه أنتم إلى الكرسي، ثم يتعالى عليكم، ويتباهى بمنصبه، وينسى من أوصله إليه. فلنجعل صوتنا أمانة، واختيارنا مسؤولية، ومستقبل وطننا فوق كل اعتبار.