عرفان الداوودي
في كل مرحلة من مراحل الأزمات التي تمر بها الشعوب، يظهر نوع من الأشخاص لا يشغلهم همّ الوطن ولا معاناة المواطنين، بل ينشغلون بتلميع المسؤولين وتزيين الأخطاء وتبرير الفشل. ومع الأسف، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بجيوش من المطبلين والمتملقين الذين لا يترددون في توزيع عبارات المديح والثناء على المسؤولين في كل مناسبة، سواء قدموا إنجازاً حقيقياً أم اكتفوا بالتصريحات والصور والدعاية الإعلامية.
المشكلة لا تكمن في الاحترام المتبادل أو الاعتراف بالإنجازات الحقيقية، فذلك حق مشروع، بل تكمن في تحويل المسؤول إلى شخصية فوق النقد والمحاسبة، وفي تصوير أي عمل اعتيادي وكأنه فتح تاريخي يستحق التصفيق والهتافات.
في الوقت الذي يتساءل فيه المواطن عن مصير المليارات التي أنفقت على المشاريع، وعن أسباب تردي الخدمات، وعن تفشي البطالة والفقر، وعن تعثر المشاريع التي التهمت الأموال العامة، يخرج المطبلون ليغرقوا صفحات التواصل الاجتماعي بعبارات المديح من قبيل: (عاشت إيدك شيخ)، و(النعم منك ريس)، و(قائدنا الملهم)، و(هيبة الدولة)، وكأن هذه الكلمات قادرة على إصلاح طريق متهالك أو بناء مدرسة أو تشغيل معمل أو توفير فرصة عمل لشاب عاطل.
إن أخطر ما يهدد أي مجتمع ليس الفساد وحده، بل وجود من يبرر الفساد ويمنحه غطاءً إعلامياً وأخلاقياً. فالفساد لا ينمو في بيئة المساءلة والرقابة، بل يزدهر في بيئة التطبيل والتملق والصمت عن الأخطاء. وعندما يتحول الفاشل إلى بطل، والمقصر إلى قائد ملهم، والمتهم إلى رمز وطني، فإن المجتمع يكون قد دخل مرحلة خطيرة من تشويه الحقائق وقلب المعايير.
في الدول المتقدمة، يُقاس المسؤول بما أنجزه من مشاريع وخدمات، وبما حققه من نتائج ملموسة للمواطنين، أما في المجتمعات التي تسيطر عليها ثقافة التملق، فإن بعض المسؤولين يقاسون بعدد الصور المنشورة لهم، وعدد المرافقين، وحجم الحملات الإعلامية التي تمجدهم وتدافع عنهم.
إن المسؤول الحقيقي لا يحتاج إلى جيش من المصفقين، بل يحتاج إلى سجل نظيف وإنجازات واضحة تتحدث عنه. لا يحتاج إلى من يبرر أخطاءه، بل إلى من ينبهه إلى مواطن الخلل ليصححها. فالنقد البناء ليس عداءً، بل هو أحد أهم أدوات الإصلاح.
لقد دفعت الشعوب ثمناً باهظاً بسبب ثقافة تقديس الأشخاص وتغييب الحقائق. فحين يسكت الناس عن الأخطاء، ويستبدلون المساءلة بالتصفيق، تتحول المناصب إلى امتيازات، وتتحول السلطة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية بدلاً من خدمة المواطنين.
إن الأوطان لا تُبنى بالهتافات والشعارات، بل بالعمل والنزاهة والكفاءة والشفافية. ولا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم ما دام بعض أفراده يعتقدون أن دورهم هو التصفيق للمسؤولين بدلاً من مراقبتهم ومحاسبتهم.
لذلك فإن الوقت قد حان للانتقال من ثقافة (عاشت إيدك) إلى ثقافة (ماذا أنجزت؟)، ومن ثقافة التبجيل الأعمى إلى ثقافة الرقابة الشعبية، ومن تمجيد الأشخاص إلى احترام المؤسسات والقانون.
فالعار والشنار لكل من يبيع ضميره بكلمة مديح على حساب الحقيقة، ولكل من يحاول تلميع الفشل وإخفاء التقصير وخداع الناس بالشعارات. أما الحقيقة فستبقى أقوى من حملات التطبيل، وستبقى مصلحة المواطن فوق كل المصالح، لأن الأوطان تبنى بالعمل الصادق لا بالتصفيق المجاني.