الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي
في الأوقات التي تشتد فيها الخلافات السياسية، وتكثر فيها الأصوات المتشنجة، تبرز مسؤولية العلماء والدعاة والمثقفين والإعلاميين بوصفهم أصحاب رسالة، لا أصحاب خصومة. وإن كوردستان اليوم أحوج ما تكون إلى خطاب الحكمة والتقارب، وإلى كلمة تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.
لقد جعل الإسلام الإصلاح بين الناس من أعظم القربات، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. وقال النبي ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ إصلاح ذات البين».
ومن هنا، فإن الواجب الشرعي والأخلاقي يقتضي من علماء كوردستان أن يجعلوا منابر الجمعة ومجالس العلم منابر للوحدة والمحبة والتعايش السلمي، وأن يدعوا الناس إلى احترام بعضهم بعضاً، وتغليب المصلحة العامة، والابتعاد عن لغة التخوين والتحريض، وأن يكون خطابهم موجهاً إلى تقريب وجهات النظر لا إلى توسيع دائرة الخلاف.
كما تقع على عاتق القنوات الإعلامية والصحفيين والناشطين مسؤولية كبيرة في تهدئة الشارع، ونشر ثقافة الحوار، وترسيخ محبة كوردستان فوق كل اعتبار، فالكلمة أمانة، وقد تكون سبباً في الإصلاح أو سبباً في الفتنة، والله تعالى يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
إن تشكيل برلمان قوي وحكومة مستقرة لا يتحققان بالصراعات الإعلامية، وإنما بروح المسؤولية والشعور المشترك بأن قوة كوردستان في وحدة أبنائها، وأن الخلافات السياسية مهما عظمت يجب ألا تتحول إلى خصومات بين أبناء الشعب الواحد.
إن الشعب الكوردي قد مر بمحن كثيرة، وكان سر صموده وتقدمه هو وحدته وتماسكه، ولذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب من الجميع، وفي مقدمتهم العلماء والدعاة، أن يرفعوا صوت الحكمة، وأن يدعوا في كل خطبة وجلسة إلى المحبة والتسامح والتعايش السلمي، وأن يذكّروا الناس بأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة أو قطيعة.
إن كوردستان تحتاج اليوم إلى دعاة إصلاح، لا إلى دعاة خلاف، وإلى أقلام تبني جسور الثقة، لا إلى كلمات تؤجج المشاعر. وبقدر ما نتحد ونتعاون، نستطيع أن نحافظ على أمن بلادنا واستقرارها، وأن نبني مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة.
حفظ الله كوردستان، وجمع قلوب أبنائها على الخير والوحدة، وألهم الجميع الحكمة والرشد، وجعل التفاهم والتعاون طريقاً إلى تشكيل المؤسسات الدستورية وخدمة الشعب وتحقيق مصالحه.