سمير السوره ميري
عندما يلتقي الجهل بالتعصب يغدو الخطأ أكثر رسوخاً وثباتاً، فالجهل اِفتقارٌ للمعرفة، أما التعصب فهو اِنغلاق للعقل وتعطيلٌ لفاعلية الوعي، وعند إجتماعهما يتكون سجنٌ معرفي قاتم، تخطلت فيه المفاهيم وتضطرب فيه الرؤية، فيغدو الفهم مشوشاً بين المعرفة والرأي وبين النقد والاِنفعال.
الجهل في جوهره ليس مجرد غياب المعلومة، بل اِضطراب في إدراك البنى المفهومية للمصطلحات وحمولتها الدلالية التي تؤسس عليها الأحكام، أنه لا يحجب المعنى فحسب، بل يُفضي إلى اِختلال المعايير وتداخل الحدود بين الحقيقة والتأؤيل، وهكذا يورث صاحبه وهماً معرفياً خادعاً، بينما يضيف التعصب إلى هذا الوهم عمىً اِرادياً يمنع المراجعة أو التصحيح.
التاريخ هو مجمل الوقائع والأحداث التي جرت في الماضي، مع دراستها وتحليل أسبابها ونتائجها ومسارات تطورها، وهو مجال واسع يضم الحقائق كما يضم التفسيرات والروايات المتعددة المتباينة بحسب زوايا النظر والمناهج.
وفي هذا السياق يمكن فهم القضية الكوردية بوصفها مساراً تاريخيا مركباً يتضمن أحداثاً وتحولات ومطالب وتفسيرات متباينة عبر فترات زمنية مختلفة، فهي من حيث البناء المفهومي ليست ثباتاً تاريخياً، بل اِطارٌ تأويلي يعيد تنظيم الوقائع ضمن أُفق سياسي أو اِجتماعي أو ثقافي مُعين، أما الثوابت التاريخية، فهي وقائع التي تثبت وقوعها بأدلة تاريخية متماسكة، واِستقر عليها إجماع علمي موثَّق، مثل وقوع الثورة الفرنسية، والحرب العالمية الأولى والثانية، وسقوط بغداد 1258 م، وهي وقائع تُدرس وتُفسر، لكنها تظل ثابة في أصل حدوثها، ومن هذا المنظور فإنَّ وجود الكورد في منطقة غرب أسيا الممتدة بين جبال زاغروس وطوروس، وفي أجزاء من جغرافيا المتمثلة في شمال العراق وشرق تركيا وغرب إيران وشمال سوريا والشمال الشرقي لها، يعد من المعطيات التاريخية المستقرة في الجغرافية البشرية، بوصفه وجوداً ممتداً عبر الزمن لا يرتبط بحدثٍ واحد بل بتراكم تاريخي طويل، أي اِنتماء ثابتاً تاريخياً في ذاته، وجود الكورد في أرضهم، منذ فجر الحضارات لم يكونوا يوماً بعيدين عن أرضهم، أو نزحوا إليها.
القضية الكوردية المصيرية بهذا المعنى ليست واقعة جامدة، بل بناءٌ تاريخيٌّ متحرك، تتداخل فيه عناصر اللغة والثقافة والذاكرة المشتركة والجغرافيا والعلاقات الاِجتماعية، ضمن شبكة هوية معقّدة تتفاوت تجلياتها من مكان إلى أخر، ولا يمكن فهم هذا المسار خارج سياق تشكّل الدول الحديثة، وما رافقه من تحولات كبرى في خرائط المنطقة (سايكس – بيكو)، حيث أعادت القوى الدولية والإقليمية رسم الحدود السياسية، وهو ما أفرز واقعاً تعسفياً للكورد.
إنَّ الذي يتوهم غير ذلك هو الجهل بعينه، المصير الكوردي ليس منّةً بل حقًا تاريخيًا مسلوبًا، و إذا كانت الظروف القاهرة والتقسيمات الجائرة التي قصمتها إلى أجزاء، وبشروط مناصفتهم التي قبلولها بالعيش المشترك كشريك كامل الحقوق وبشرط المناصفة، كما جاءت الدساتير الدول المحدثة، والنتيجة هو الاِخلال بتلك البنود الدستورية من قبل تلك الحكومات والأنظمة المتعاقبة، وهذا لا يعطي مسوغات قانونية واِنسانية بمصادرت حقوقهم، وحق تقرير المصير كمفهوم داخلي أو خارجي، تلك الحقوق أقرَّتها القوانيين الدولية المعاصرة.
لم تكن كوردستان عبر التاريخ مرتبطة بالمسميات السياسية المستحدثة بوصفها حقائق ثابتة أو نهائية، فالحضارات والإمبراطوريات التي تعاقبت على المنطقة كانت تتجاوز حدودها الجغرافية الأصيلة، وتتوسع بقدر ما تسمح به موازين القوة وظروف العصر، ثم ظهرت ممالك وإمارات أكثر محدودية في إمتدادها، أعقبتها الخلافتان الأموية والعباسية اللتان اِمتد نفوذهما شرقاً وغرباً، ومن بعدهما الدولة العثمانية التي اِتسعت رقعتها لتضم ولايات وشعوباً متعددة، وكانت كوردستان إحدى تلك الولايات الخاضعة لسلطاتها، غير إنتماء كوردستان إلى كيان في مرحلة تاريخية معينة لا يمنح ذلك الكيان أو المراكز التي حكمته ، كدمشق و بغداد و إستطنبول، حقاً أبدياً في اِدعاء السيادة عليها اِستناداً إلى تاريخ مُتقلب بطبيعته ومتغير في وقائعه، فالتاريخ سجل للتحولات لا صك ملكية دائم للأُمم والشعوب.
لقد نالت كل الأُمم إستقلالها، وتحولت من أقاليم تابعة إلى دول ذات سيادة تُقرر مصيرها بنفسها، اِستناداً إلى إرادة أبنائها وحقهم الطبيعي في اِختيار شكل وجودهم السياسي، وفي المقابل يُنظَّر إلى المطلب الكوردي في تقرير المصير، ليس منحة تمنحها الدول، بل حق أصيل سابق على القوانيين الوضعية، ومتجذرة في كرامة الإنسان وحريته التي وهبها الله للبشر، قبل أن تصوغها التشريعات والمواثيق، حق الكورد بتقرير مصيرهم، اِلتزاما أخلاقيا أمام كل ديمقراطيات العالم الحر.