رمزي ميركاني
إن معركة الإصلاح السياسي الحقيقية في العراق اليوم لا تكمن في تغيير الوجوه أو تبديل الشعارات، بل في ضرورة تغيير القاعدة الهيكلية التي يقوم عليها النظام السياسي برمته؛ وهي الانتقال من نظام “المحاصصة التوافقية” إلى نظام ديمقراطي يقوم على ثنائية (حكومة الأغلبية المطلقة والمعارضة البرلمانية الحقيقية).
منذ عام 2003، أنتج نظام المحاصصة واقعاً غريباً حوّل الانتخابات من وسيلة للتنافس على البرامج السياسية إلى أداة لتقاسم مغانم الدولة. فبدلاً من منطق “إما أن نحكم أو نعارض”، تبنت الأحزاب منطقاً نفعياً يتلخص في: “كم ستكون حصتنا في الحكومة المقبلة؟”. هذا التوجه جعل من الحكومة تجمعاً لخصوم متنافسين داخل السلطة التنفيذية نفسها، حيث يمثل الوزير حزبه لا الدولة، مما أدى إلى تفتيت وحدة القرار الإداري والسياسي، وجعل المساومات والصفقات هي المحرك الفعلي للدولة بدلاً من الرؤية الوطنية.
تكمن الإجابة في تشابك المصالح المادية مع المخاوف القانونية والتاريخية. أولاً، ترتبط ديمومة الأحزاب العراقية ونفوذها بالسيطرة على “الشق التنفيذي”؛ فالسلطة تعني الموارد، العقود، والدرجات الخاصة، والقدرة على توظيف الجمهور لضمان الولاء الانتخابي. لذا، يُنظر إلى الذهاب للمعارضة بوصفه “خسارة كاملة” وإقصاءً عن شريان الحياة المالي والسياسي. ثانياً، يلعب غياب الحماية القانونية دوراً محورياً؛ فلا توجد تشريعات واضحة تحمي المعارضة من الاستهداف أو التهميش. يضاف إلى ذلك إرث تاريخي يربط “المعارضة” بالخروج عن الإجماع أو محاولة إسقاط النظام، وهي ثقافة ورثتها القوى الحالية من عهود الاستبداد، مما يجعلها تخشى فقدان الحصانة التي يوفرها الوجود داخل الحكومة.
من أخطر نتائج هذا النظام هو إلغاء مفهوم “المسؤولية السياسية”. في الديمقراطيات الحقيقية، يعرف المواطن من يحكم ليعاقبه في الانتخابات إذا فشل. أما في العراق، فإن الجميع يشارك في السلطة، وعند الفشل يخرج الجميع للإعلام بصفة “معارضين” ليتبرأوا من النتائج. هذا التناقض جعل المواطن يشعر بالعجز عن التغيير، طالما أن نفس الوجوه والكتل تعود للحكم بغض النظر عن نتائجها أو حجم السخط الشعبي عليها.
لقد تسبب هذا المشهد في “انسداد سياسي” مزمن، حيث يرفض الفائز والخاسر على حد سواء البقاء خارج السلطة. وحتى المحاولات الخجولة التي ظهرت مع صعود المستقلين أو بعض القوى الناشئة، سرعان ما تم احتواؤها أو تهميشها نتيجة غياب “حكومة الظل” المنظمة التي تراقب وتقوم أداء السلطة التنفيذية.
لا تقع المسؤولية على الطبقة السياسية وحدها، بل تمتد لتشمل خللاً في الوعي المجتمعي ومعايير الاختيار. فمن المؤلم أن نرى المجتمع أحياناً يقدم أصحاب السلاح المنفلت والمال السياسي على الكفاءات الأكاديمية؛ فحين يخسر عشرات الأساتذة الجامعيين في الانتخابات لصالح أفراد يفتقرون للبرامج السياسية، ندرك أن “بوصلة المجتمع” قد أُنهكت بفعل الأزمات المتراكمة، مما أضعف قاعدة المعارضة الشعبية والسياسية على حد سواء.
إن الخروج من نفق المحاصصة يتطلب شجاعة للانتقال إلى نموذج “من يفوز يحكم، ومن يخسر يعارض”. إن قيام حكومة أغلبية مطلقة (خمسون + واحد) سيحقق نتائج جوهرية، أهمها:
– تحديد المسؤولية السياسية بوضوح أمام الشعب.
– تحويل البرلمان من ساحة صفقات إلى ساحة رقابة حقيقية عبر معارضة قوية.
– إجبار الأحزاب على الاندماج في كتل وطنية عابرة للمكونات للوصول إلى الأغلبية.
في الختام، إن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي تداول حقيقي للسلطة. وما دام الجميع يلهث وراء “المغانم” ويرفض دور “الرقيب”، سيبقى العراق يدور في حلقة مفرغة من الفساد والترهل الإداري. الإصلاح يبدأ حين تصبح المعارضة البرلمانية “طموحاً سياسياً” يهدف لبناء الدولة، لا “عقوبة” يفر منها الجميع.