تحذير عاجل من بيع أصول الدولة وخفض الدينار الانزلاق نحو خصخصة مشبوهة تُعيد إلى الأذهانكابوس “الخصخصة الروسية”
بغداد – متابعة التآخي
يواجه الدينار العراقي وقوته الشرائية فصلاً جديداً منفصول المغامرة النقدية والمالية، وسط تحذيراتاقتصادية مشددة من مغبة تكرار سيناريوهاتالإصلاح “المؤذية” التي يتحمل كلفتها الباهظة ذووالدخل المحدود وحدهم.
ويفكك الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي خلال حوارمع الإعلامي ليث الجزائري، ، بالوقائع والأرقامالرسمية العيوب اللوجستية والهيكلية التي تحيط بقرارتخفيض قيمة العملة الوطنية في وقت غير ملائم يتزامنمع ركود اقتصادي وانسداد في سلاسل التوريد بعدإغلاق مضيق هرمز.
ويكشف عبر التحليل أوهام “تطمينات الرواتب المؤمنة”والاحتياطيات المتآكلة، واصفاً التعديل النقدي الحاليبأنه “أسوأ وسيلة” لسد عجز الموازنة، ومحذراً منالانزلاق نحو خصخصة مشبوهة لأصول الدولة تُعيدإلى الأذهان كابوس “الخصخصة الروسية” فيتسعينيات القرن الماضي.
لغز المليار المتبخر
فكك الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي الواقع الماليالفعلي للإيرادات النفطية ومصائرها المعقدة قبل أنتتحول إلى سيولة محلية، مفنداً فكرة توفر فائضدولاري لدى البنك المركزي، حيث أوضح قائلاً: “نتكلمفي البداية عن التوقيت ونتكلم عن إيرادات نفطيةمقدارها مليار دولار فقط، فهذا المليار لا يجرياستبداله وتحويله إلى دينار”.
وأضاف المرسومي كاشفاً عن قنوات الاستنزافالتلقائية: “ينبغي أن نستقطع منها أقساط خدمة الدينالخارجي واستيرادات الحكومة من الكهرباء ومن الغازوالبنزين والسلع الأخرى وأيضاً ندفع منها نفقاتجولات التراخيص وبالتالي هذا المليار يمكن أنينخفض إلى نصف مليار دولار، وبالتالي لا يوجدهناك دولار تحتفظ به الحكومة لكي تحوله إلى الدينارفتزداد الدنانير عند الحكومة حتى ممكن أن تمول فيهاالنفقات ولذلك هذا التوقيت غير ملائم لعملية تخفيضسعر العملة الوطنية في أي بلد يعني ضريبة مجانيةيدفعها بالنهاية الفقراء”.
تضخم وهمي؟
وفي نقد لاذع للأرقام الرسمية التي تصدرها الدوائرالحكومية حول كبح جماح الغلاء، بيّن المرسومي الفجوةالكبيرة بين لغة التنظير وواقع الأسواق بعد الأزماتالإقليمية الأخيرة، مؤكداً: “الحكومات تقول نحنخفضنا التضخم، لكن السوق يقول شيء آخر ونحننعيش في العراق ونعرف مستوى أسعار السلع وكيفارتفعت اليوم من السلع الاستهلاكية إلى السياراتوغيرها، وزاد ارتفاعها بعد إغلاق مضيق هرمز، أماالحديث عن 1% أو 2% هذه مسألة تنظيرية وغيرصحيحة لكن فعلياً فمستوى التضخم اليوم ارتفع كثيراًوخاصةً بعد إغلاق المضيق وتأثر المواطن العراقي”.
وحذر المرسومي من التوقيت: “توقيت تخفيض سعرالدينار أمام الدولار يأتي في وقت جداً غير مناسب فيوقت الركود الاقتصادي واليوم الاقتصاد العراقييعيش الركود وتوقف شبه تام للقطاع الخاصوللقطاعات الأخرى الإنتاجية والسلعية لذلك ينبغيالتريث باتخاذ مثل هذه القرارات، رغم أن مثل هذهالقرارات لا تتخذها الحكومة وحدها ,وأنما بالتوافق معالكتل السياسية الأخرى”.
رعب “الخصخصة الروسية”
وحول الحلول البديلة المطروحة لتمويل العجز، أبدىالمرسومي مخاوفه من التوجه نحو بيع ممتلكات الدولةفي بيئة تفتقر للنزاهة، مستحضراً انهيار المنظومةالسوفيتية السابقة كمثال حي؛ حيث قال: “الخياراتباتت محدودة لكن لدينا خيارات صعبة مثل خيار بيعأصول الدولة ولنستذكر التجربة الروسية أن خصخصةالأصول الحكومية في ظل الفساد قد تعني السرقةوحصلت بروسيا عندما أدى خصخصة المشاريعالحكومية في بداية التسعينات إلى خسارة روسيا3000 ترليون دولار وأدت إلى رفع مستوى الفقر وأدتإلى انخفاض كبير في مستوى المعيشة”. واستدرككاشفاً عن الثغرة العراقية: “المشكلة في ظل الفساديجري تقييم الأصول الحكومية بنسب صغيرة جداًاستناداً إلى قيمته الحقيقية ثم أن بيع الأصولالحكومية أيضاً سيواجه مشكلة أخرى في التعامل معالعاملين في هذه الأصول وهذه مشكلة كبيرة وبمعنىأنها توسع مساحة البطالة وتقوض الاستقرارالاجتماعي وتخلق حالة من الغليان الشعبي”.
الاحتياطي الفيدرالي في شهرين
وقدم المرسومي مراجعة حسابية صادمة مبنية علىالأرقام الرسمية لحركة الأموال بين شباط وأيار منالعام الحالي، موضحاً مدى التسارع في وتيرةالتراجع المالي بالقول: “الأوضاع المالية لن تتحسنكثيراً خلال العام الحالي، عند عدم وجود صندوقسيادي في البلد ونبدأ السحب من الاحتياطي النقديوبحسب الأرقام الرسمية بين شباط وبين النصف منأيار انخفض الاحتياطي النقدي الرسمي الأجنبيبمقدار 10 ترليونات وبالمقابل زاد الإصدار النقديوأصبح 113 ترليوناً بمقدار 8 ترليونات فالخيارات باتتمحدودة”.
ونبّه المرسومي إلى خطورة البدائل العشوائية معتبراًأن “تجريد الأصول الحكومية التي هي ترليوناتالدولارات وبيعها بأسعار رمزية: أنا أعتقد أنها ليستبصالح الدولة ولا بصالح الشعب وبحاجة إلى دراسةالموضوع بشكل متأني جيداً واتباع أسلوب التدريج فيحل هذا الموضوع، وصحيح أنها نظرياً تبدو جيدة لكنعملياً ستواجه الكثير من العقبات”.
شبح “الورقة البيضاء”
وأجاب المرسومي عن التساؤل الموجه من الإعلامي ليثالجزائري حول كواليس الخطوات الثلاث التي طرحهارئيس الوزراء “الزيدي” في اجتماع الإطار التنسيقيوعن هوية صاحب تلك المشورة، قائلاً دون مواربة: “نتكلم تقريباً عن الورقة البيضاء، وهذا برنامجالإصلاح الاقتصادي، لصندوق النقد الدولي وهذه هيتفاصيله”.
واختتم المرسومي محذراً العراقيين من الأيام القادمةبالقول: “هو برنامج يتضمن إلغاء الدعم الحكومي عنالوقود وتحرير الأسعار وربما تعويم العملة وتخفيضالإنفاق الحكومي وتخفيض الرواتب وهذه توليفة، ويبدوأن هذه الإجراءات بخصخصة المشاريع الحكومية جزءمن إجراءات التوليفة، وهناك أكثر من 10 إجراءاتأيضاً منها إلغاء البطاقة التموينية وتخفيض شبكةالحماية الاجتماعية وموضوعات كثيرة أعتقد أننا فيالطريق إليها إذا استمرت الأمور بهذا الشكل”.