آناهيتا حمو
أتراها تتقمص شخصية المرأة الأوروبية المتضامنة وتستمد منها طاقتها؟ تستوقفني العبارة الشهيرة للعالم ألبرت أينشتاين: “كل شيء في هذا الكون مردّه إلى الطاقة”. وهي عبارة تثير الكثير من التأمل، ولا سيما حين نتحدث عن الطاقة الإيجابية التي يستطيع الإنسان من خلالها تحقيق الإنجازات وصناعة التغيير.
تراودني هذه الفكرة كثيراً، لما لها من أثر في تغيير المجتمعات وسلوك الأفراد، ولا سيما المرأة التي تمتلك، وفقاً لبعض الدراسات النفسية، حدساً عالياً وقدرة خاصة على استشعار ما يدور حولها. وهي أيضاً من أكثر الفئات تأثراً بالعلم والمعرفة والنظريات الحديثة، وتسهم بأدوارها الريادية في تنمية مجتمعها وتطويره.
لقد وقفت المرأة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية لتشارك في إعادة بناء المجتمع الأوروبي، ونالت مكانتها الحقيقية بجهدها وعملها وسهرها وتضحياتها، لا بالمظاهر والاستعراض. كما تولت مسؤوليات سياسية وإدارية مهمة، وقادت أحزاباً ومؤسسات، واستمرت في مسيرتها نحو التقدم حتى يومنا هذا.
وما زالت المرأة الأوروبية تعيش قيم ذلك الزمن الذي قام على التقشف والعمل الجاد من أجل العلم والتنوير والمعرفة والبحث العلمي والاكتشاف. وفي مجالات الأدب والفن والإبداع برزت أسماء كثيرة، من بينها الكاتبة الشهيرة أغاثا كريستي، التي وثقت في أعمالها جوانب من حياة الإنسان والمجتمع، بينما خاضت المرأة الأوروبية معاركها الفكرية والثقافية من أجل التحرر وإثبات الذات.
وفي إحدى المسرحيات الفرنسية، تروي كاتبة فرنسية سيرة المناضلة أولامب دي غوج التي حكم عليها بالإعدام بالمقصلة من قبل محكمة الثورة الفرنسية. وتدور أحداث المسرحية في إطار درامي مؤثر، من خلال حوارات عميقة بينها وبين أحد أبرز قادة الثورة الفرنسية، روبسبير، لتجسد صراع الفكر والحرية والعدالة.
أنتِ أيتها المرأة الكردية الحرة، صاحبة الرسالة والقضية، قادرة على تحقيق الكثير من الإنجازات. فكما قيل:
“يمكنك أن تهزم جيشاً، لكنك لا تستطيع أن تهزم رسالة أمة.”
فالمرأة التي تدرك رسالتها وتلتزم بها لا تُهزم، وكذلك المجتمع الذي تستند إليه والأمة التي تنتمي إليها، خاصة عندما تتنفس عبق الحرية وتؤمن بقيمها.
ومع ذلك، فما زال أمام المرأة الكردية الكثير لتنجزه. فعلى الرغم من وجودها لأكثر من نصف قرن في الدول الأوروبية، لم تعش جميع تفاصيل التجربة التي مرت بها المرأة الأوروبية في مراحل البناء والتأسيس؛ من ساعات الانتظار الطويلة في محطات المترو الباردة صباحاً، إلى مسؤولية رعاية الأطفال والعمل والإنتاج والمساهمة في إعادة إعمار المجتمعات بعد ويلات الحروب العالمية التي التهمت الشعوب والإثنيات وخلفت المآسي والإبادات الجماعية.
وفي نص تاريخي نشرته مجلة هاوار الكردية عام 1932، يرد مشهد مؤثر للجدة الكردية “فاتيه” وهي تهدهد حفيدها اليتيم الذي استشهد والده. إنه مشهد درامي يمس أوتار القلوب ويختصر الكثير من معاناة المرأة الكردية عبر التاريخ.
فلنحترم معاً، أيتها الكردية الجميلة، مساحة الحرية التي تتنفسين من خلالها هواء الحياة. فوجودك اليوم في فضاء الحرية لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة نضالات وتضحيات نساء سبقنك، نساء مثقلات بالهموم، لكنهن كن مثقفات ومنتجات وصانعات للتغيير.
ولا ينبغي للمرء أن يستظل بشجرة لم يشارك يوماً في غرسها أو رعايتها. فالمشاركة في بناء المجتمعات، والإسهام في نهضتها الاجتماعية والأخلاقية والثقافية، مسؤولية تقع على عاتق الجميع.
وإذا كان النظام العالمي الجديد يسعى إلى إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط وتفكيك الكيانات الكبرى وتحويلها إلى وحدات أصغر يسهل التحكم بها، فإن مسؤوليتك تكمن في تمثيل وطنك والدفاع عن هويتك وثقافتك وقضيتك. كوني صورة مشرقة لكردستان المقسمة والمنهوبة، ولا تخلطي بين التضامن والاندماج من جهة، وبين الانسلاخ عن الهوية والذوبان الكامل من جهة أخرى.
فالتغيير الحقيقي يتحقق بالعلم والمعرفة، وعلى مراحل، وبهدوء ورقي. والمرأة هي الحاضنة الأولى لهذا التغيير والناقلة له إلى الأجيال القادمة. ولعل من أخطر ما تواجهه مجتمعاتنا اليوم التغيرات الديموغرافية والثقافية التي تمتد آثارها إلى المستقبل البعيد، وهي تبدأ من الأسرة والمرأة والمجتمع.
فهل نعيش خارج الزمن؟ وهل سرقنا العالم الافتراضي من عالمنا الاجتماعي والإنساني؟ لقد أصبح كل شيء افتراضياً، حتى كدنا نفقد رائحة الذكريات الحقيقية ودفء العلاقات الإنسانية ومواسم الحب الصادق.
وأستذكر هنا مقولة الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي:
“نحن تافهون مقارنة بأبعاد الكون ومسارات التاريخ، وكل شيء سيستمر بعد موتنا وكأننا لم نوجد قط.”
وفي ختام المسرحية الفرنسية، تقضي أولامب دي غوج ليلة قاسية تسبق صباح إعدامها في برد نوفمبر القارس. ومن خلال مونولوج داخلي مؤثر، تتأمل مصيرها وتخاطب ذاتها قائلة:
“سيستمر العالم في دورانه، وسيستيقظ الشارع كعادته. لن يتوقف العالم بغيابي.
ستواصل الخبازة إعداد خبزها اليومي، وسيتوجه الجميع إلى أعمالهم، بينما لن أكون أنا هنا، وكأنني لم أكن يوماً. أتمنى ألا يخونني وجهي في هذه اللحظات الأخيرة. أريد أن أكون عظيمة، أريد ان أكون جميلة.