مشتاق هاشم العلوي
قد يتذكر بعض القراء عنواناً مشابهاً ارتبط بمذكرات سياسية إسرائيلية حملت معنى البحث عن “مكان تحت الشمس”، ذلك التعبير الذي استُخدم طويلاً بوصفه استعارة عن الاعتراف والقوة والقدرة على البقاء في عالم مضطرب، ولكن المشكلة في اليمن اليوم لا تتعلق بالبحث عن مكان تحت الشمس بقدر ما تتعلق بالنجاة منها. هذه الشمس نفسها التي ارتبطت في المخيال الإنساني بالحياة والدفء والخصوبة تتحول تدريجياً في مدن الجنوب والساحل اليمني إلى مصدر يومي للاختناق والعجز والانهيار البطيء، ولهذا فإن العنوان هنا لا يستعير دلالته من السياسة بقدر ما يستعيرها من المفارقة؛ من بلدٍ لم يعد يسأل عن موقعه تحت الشمس، بل عن قدرته على الاحتمال تحتها.
لا يستطيع الطفل أن ينام في تلك الغرفة التي تحولت مع حلول منتصف الليل إلى صندوق حديدي يسخن ببطء. الكهرباء منقطعة منذ ساعات، والمروحة التي كانت تُحرك الهواء الراكب في غرفة صغيرة في عدن أو المكلا أو المهرة صارت الآن قطعة بلاستيكية صامتة لا تفعل شيئاً سوى أن تُذكره بما لا يملك. الأم تجلس في زاوية الظلام تُحاول أن تُنمي طفلها بالتهوية اليدوية التي لا تُغير شيئاً في موجة حرارية تصل درجة الإحساس بها إلى خمسة وأربعون درجة في الليل. تلك الدرجة التي لا تُحسب في تقارير المنظمات الدولية التي تعدّ ضحايا اليمن بالقصف والجوع والكوليرا والألغام فقط، ولا تُدرج في جداولها من يموت بالاختناق الحراري البطيء دون أن يكون له اسم في قائمة الضحايا.
إن هذا المشهد الذي يتكرر كل صيف في جنوب اليمن وفي السهل التهامي وفي أجزاء واسعة من الساحل الغربي ليس مجرد حالة طقس استثنائية يمكن تمريرها في نشرة الأخبار ثم نسيانها. إنه شكل جديد من أشكال العنف اليومي غير المُعلن، ذلك العنف الذي لا يحمل توقيعاً عسكرياً ولا يُنسب إلى طرف سياسي محدد، ولهذا يظل خارج دائرة الخطاب السياسي الذي يغطي اليمن بالكامل بالحرب والاصطفافات والمعارك اليومية. كأن الناس لا يعيشون أصلاً تحت شمس تحرقهم ببطء وتُعيد تشكيل أجسادهم وأحلامهم وأمراضهم دون أن يكون لهم حق في التوقف أو الاحتجاج.
الحرارة في اليمن اليوم لم تعد مجرد ظاهرة طبيعية تتبع دورات المناخ. لقد تحولت إلى قضية طبقية صارخة تفصل بين من يملك ومن لا يملك، فالأغنياء يهربون منها بالمولدات الخاصة والطاقة الشمسية والتكييف المركزي والعزل الحراري للمنازل، بينما يعيش الفقراء داخل ما يمكن تسميته بالفرن المفتوح، تلك المساحة التي لا تملك جدراناً تحميها ولا سقفاً يُظللها ولا كهرباء تُدير فيها مروحة واحدة. والموت الحراري هنا ليس توزيعاً عادلاً للخطر المناخي، وإنما هو توزيع طبقي للعنف البيئي يصيب الفقراء والأطفال وكبار السن والمرضى بدرجة أكبر بكثير مما يصيب من يملك القدرة على شراء البرودة كسلعة خاصة. والبرودة ليست رفاهية وإنما هي شكل من أشكال الحماية الجسدية التي تحولت في بلد منهار إلى امتياز طبقي لا يستحقه إلا من يملك المال.
اليمن يتحول تدريجياً إلى واحد من أكثر البلدان هشاشة أمام المناخ في العالم. الأمر لا يقتصر على ارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوز الأربعين درجة بشكل اعتيادي في الصيف، وإنما يمتد إلى الأعاصير التي تضرب المهرة وسقطرى وتُدمّر البنية التحتية الضعيفة أصلاً، والتصحر الذي يتوسع في الشرق والشمال ويُهجّر المجتمعات الريفية، وندرة المياه التي تتفاقم مع كل موسم جاف، وانهيار الكهرباء الذي يجعل من المدن اليمنية بيئات طاردة للحياة في أشهر الصيف. كل هذه الظواهر لا تُرى في الخطاب السياسي اليمني كتهديدات وجودية، وإنما تُعامل كأحداث جانبية لا تستحق الوقوف عندها، في حين أنها تشكل استمراراً للانهيار المؤسسي بأدوات مناخية لا تقل فتكاً عن الأدوات العسكرية.
غياب الدولة المناخية في اليمن ليس مجرد نقص في السياسات البيئية. إنه غياب كامل للوظيفة التي يفترض أن تؤديها الدولة في حماية مواطنيها من التهديدات غير البشرية. لا توجد سياسات طاقة وطنية تستجيب لانهيار الشبكة الكهربائية، ولا خطط تكيف مناخي تحمي السكان من موجات الحر، ولا تخطيط حضري يأخذ في الاعتبار التغيرات المناخية المتسارعة، ولا بنية كهربائية قادرة على امتصاص الصدمات. ولا يوجد حتى خطاب سياسي يتعامل مع المناخ كخطر يستحق الوقوف عنده. كل ما يوجد هو استمرار في تدوير الانهيار بالوسائل العسكرية والحزبية فقط، دون أن يدرك أحد أن الجغرافيا كسلعة سياسية تتغير الآن بفعل المناخ، وأن البنية التحتية المنهارة تجعل من الحرارة نفسها أداة للإقصاء والموت البطيء.
الجغرافيا السياسية للمناخ تظهر في اليمن بشكل أكثر قسوة مما تظهر في بلدان أخرى. اليمن يقع في موقع يجعله عرضة لموجات حرارية ممتدة قادمة من شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، وفي الوقت نفسه يفتقر إلى القدرة المؤسسية والاقتصادية على التكيف مع هذه الظواهر.
هذا يعني أن دول الجنوب الفقيرة التي تطل على البحر العربي والبحر الأحمر تتحول إلى ضحايا لأزمة عالمية لم تصنعها أساساً، في حين أن الدول الصناعية التي تسببت في هذه الأزمة تملك القدرة على حماية نفسها بالتكييف والطاقة والبنية التحتية. والعدالة المناخية في اليمن ليست قضية بيئية مجردة، وإنما هي قضية سياسية وسيادية تتعلق بحق الشعب في الحماية من تهديدات لم يسببها ولا يملك القدرة على مواجهتها وحده.
الموت في اليمن اليوم لا يأتي فقط بالقصف والجوع والأمراض المعدية. يأتي أيضاً بالاختناق والجفاف وضربات الشمس والإجهاد الحراري. تأتي الأدوية المنتهية بفعل الحرارة، والنوم المستحيل الذي يُضعف المناعة، والأمراض المزمنة التي تتفاقم في بيئات حارة مغلقة. ولكن لأن هذا الموت بطيء وغير درامي ولا يحمل صوراً مؤثرة للإعلام، فإنه لا يتحول إلى قضية رأي عام. الناس يموتون في صمت دون أن يكون لهم اسم في قائمة الضحايا، ودون أن يكون لهم صوت في الخطاب السياسي الذي يغطي اليمن بالحرب فقط وينسى أن الحرب قد تكون أحياناً أقل فتكاً من موجة حرارية تستمر أسابيع في بلد لا يملك فيه معظم الناس كهرباء.
الحرب في اليمن قد تتوقف يوماً باتفاق سياسي أو بتغير في موازين القوى الإقليمية. لكن اليمنيين سيبقون يواجهون سؤالاً أكثر قسوة من سؤال الحرب: كيف يمكن العيش في بلد يتحول تدريجياً إلى بيئة طاردة للحياة؟ وكيف يمكن للدولة أن تولد من رحم الانهيار وهي لا تملك حتى خطاباً يتعامل مع المناخ كخطر يستحق الوقوف عنده؟ وكيف يمكن للمواطن أن يكون حراً وهو لا يملك حق البرودة في ليل حار؟
سيأتي يوم قد تتوقف فيه أصوات البنادق، لكن اليمنيين سيكتشفون متأخرين أن الحرب التي كانت تتمدد فوق رؤوسهم طوال الوقت لم تكن كلها تُطلق من فوهات السلاح، وإنما كان جزء منها ينزل عليهم كل ظهيرة من السمـاء.