مظفر مزووري
في غمرة السجالات السياسية والمعارك القانونية التي تشهدها العاصمة الاتحادية بغداد، يُطرح بين الحين والآخر خطاب مشحون يطالب بـ “دمج البيشمركة” ضمن القوات الاتحادية، والتلويح بتقويض الكيان الدستوري لإقليم كوردستان. لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة دستورية وتاريخية مهمة، بل يتجاهل حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها، وهي ان “البيشمركة” كعقيدة وقوة نمت في وجدان الجبال، هي أقدم جغرافياً وسياسياً من الدولة العراقية الحديثة بشكلها الحالي، وهي فوق ذلك محمية بنصوص قطعية في الدستور العراقي الدائم لعام 2005.
بينما يتحرك المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك برؤية جديدة لترتيب الأوراق الأمنية في المنطقة، تحاول أطراف محلية في بغداد استغلال هذه الأجواء لتمرير أجندات تصفية حسابات سياسية. أسعى في مقالي هذا إلى تقديم قراءة استراتيجية وقانونية لإقليم كوردستان، ومناقشة تلك الطروحات التي تعتقد أن بإمكانها تذويب قوة صاغت جغرافيا المنطقة بدماء تضحياتها وحصّنها القانون الدستوري.
حين تتحدث بعض الأطراف السياسية في بغداد عن دمج البيشمركة، فإنها تتعامل معها وكأنها تشبه التشكيلات المسلحة التي ظهرت بعد عام 2003. لكن المقارنة هنا ليست دقيقة. فالبيشمركة أقدم من ذلك بكثير، وهي جزء من تاريخ الحركة القومية الكوردية قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة نفسها، وحركة تحرر وطني ارتبطت بالدفاع عن الوجود الكوردي منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أي قبل أن ترسم القوى الاستعمارية حدود الدولة العراقية عام 1921، وقبل أن تتشكل أولى نواة الجيش العراقي.
لم تولد البيشمركة بقرار سياسي أو مرسوم حكومي من عاصمة مركزية، بل ولدت من رحم المعاناة والدفاع عن الأرض ضد حملات الإبادة الممنهجة. إنها القوة الفدائية التي حافظت على ديمومة الوجود الكوردي حينما كانت الأنظمة المركزية المتلاحقة في بغداد تستخدم أحدث الأسلحة الفتاكة لإجراء التغيير الديموغرافي والتهجير.
المفارقة أن بعض الأصوات التي تطالب اليوم بإنهاء خصوصية البيشمركة، تتجاهل أن بغداد نفسها تعاملت معها لعقود باعتبارها واقعاً سياسياً وأمنياً لا يمكن تجاوزه.
قانونياً، على عكس التشكيلات المسلحة الموازية التي تفتقر إلى غطاء دستوري صريح، تمتلك قوات البيشمركة شرعية قانونية مطلقة لا يمكن القفز عليها إلا بخرق الدستور العراقي نفسه، والذي نص بوضوح على مكانتها وضمانات بقائها من خلال عدة مواد جوهرية:
المادة 121 (خامساً) من الدستور العراقي:
“تختص حكومة الإقليم بكل ما يتطلبه إدارة الإقليم، وبوجهٍ خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم، كالشرطة والأمن وحرس الإقليم (البيشمركة)”.
هذا النص الدستوري القاطع يضع البيشمركة تحت المسمى الرسمي والقانوني كـ “حرس الإقليم”، ويمنح حكومة كوردستان حصرياً سلطة إنشائها، وتنظيمها، وإدارتها. وبالتالي، فإن أي محاولة لدمج هذه القوات قسراً أو حلها من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد تُعد مخالفة دستورية صريحة لـصلاحيات الأقاليم الحصرية.
علاوة على ذلك، يربط الدستور استقرار الفيدرالية ببقاء هذا التوازن الأمني؛ فالبيشمركة ليست مجرد قوة دفاعية، بل هي عنصر حماية تحمي الكيان السياسي لإقليم كوردستان من أي تغول مَركزي محتمل قد يعيد إنتاج سياسات القمع السابقة.
أما الحديث عن القضاء على الكيان الدستوري لإقليم كوردستان عبر نافذة التقويض المالي والقانوني أو عبر قرارات موجهة، فانها تصطدم بنصوص دستورية واضحة. فإقليم كوردستان ليس منحة من حكومة بغداد، بل هو كيان قائم بذاته ومعمّد بتضحيات شعب، وجرى تثبيته عبر استفتاء شعبي صوت عليه العراقيون بأغلبية ساحقة.
وقد حصن الدستور هذا الكيان من خلال مادتين رئيسيتين لا تقبلان التأويل الملتوي:
المادة 117 (أولاً): “يقر هذا الدستور عند نفاذه، إقليم كردستان وسلطاته القائمة، إقليماً اتحادياً”. هذا النص يمثل اعترافاً قانونياً شاملاً وواضحاً بالإقليم بحدوده وسلطاته (التشريعية والتنفيذية والقضائية) كجزء لا يتجزأ من بنية الدولة الفيدرالية.
المادة 115: والتي حسمت صراع الصلاحيات لصالح الأقاليم عند حدوث أي خلاف، حيث نصت على: “كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية، يكون من اختصاص الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم، في حالة الخلاف بينهما”.
وبناءً على هذه المواد، فإن محاولات خنق الإقليم اقتصادياً عبر قطع أرزاق مواطنيه، وتأخير رواتب موظفيه، وتعطيل صادراته النفطية، لا تضعف كوردستان بقدر ما تقوض “شرعية النظام الاتحادي” في العراق بالكامل. فالدستور العراقي يربط وحدة البلاد والالتزام به كحزمة واحدة، حيث تنص المادة 1 من الدستور على أن: “جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة…
وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق”. والضمان هنا مشروط باحترام الفيدرالية وحقوق المكونات، وأي تراجع عن الشراكة يعني ضرباً لأساس وحدة البلاد.
بينما كانت المؤسسات الأمنية الاتحادية تتعرض لهزات عنيفة في لحظات تاريخية حرجة، بقيت البيشمركة القوة التي حافظت على تماسكها والتي حمت ليس كوردستان فحسب، بل عموم الجغرافيا العراقية والإقليمية، وكلنا شاهدنا كيف تراجعت القوات العراقية امام ارهابيي داعش واستحوذ الارهاب على ثلث اراضي العراق، وكانوا مجهزين باحدث انواع الاسلحة، بينما صمدت البيشمركة وقاتلت ودافعت عن الارض باسلحتها الخفيفة انذاك.
تدرك واشنطن والمجتمع الدولي (عبر قوات التحالف) الفارق الجوهري بين البيشمركة والفصائل المنفلتة؛ فالبيشمركة قوة نظامية معرّفة دستورياً، وتتحرك بأوامر قيادة سياسية شرعية، وملتزمة بالقوانين والأعراف الدولية.
وحين يضغط المبعوث الأمريكي توم باراك والبنتاغون من أجل إصلاح وزارة البيشمركة وتوحيد قوات الـ 70 والـ 80، فإن الهدف الأمريكي يكمن في تقوية البيشمركة ومأسستها لتكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة، وليس تذويبها أو تسليم سلاحها لبغداد. الدعم المالي والعسكري الأمريكي المستمر لإصلاح هذه المنظومة يعكس التزاماً عميقاً بوجوب بقاء هذه القوة قوية ومنيعة.
إن الكيان الدستوري لإقليم كوردستان وقوات البيشمركة ليسا مجرد تفاصيل إدارية أو تنازلات سياسية مؤقتة يمكن إلغاؤها بجرة قلم أو بمناورة سياسية في أروقة برلمان بغداد. إنهم يمثلون قضية شعب، وتاريخ من النضال، وجغرافيا وحقوقاً مَحمية بأعلى وثيقة قانونية في البلاد.
على القوى السياسية في بغداد أن تعي أن قوة العراق واستقراره ينبعان من احترام خصوصية مكوناته وفيدراليته الـمُثبتة في الدستور، وليس من محاولة إعادة إنتاج دكتاتورية مركزية أثبت التاريخ فشلها. ستبقى البيشمركة، كما كانت دائماً، حامية لجبال كوردستان وللحق الدستوري لشعبها، من الصعب تجاوزها أو إلغاؤها، لأنها ببساطة: تاريخٌ حفر وجوده في الأرض كشجرة البلوط، وقانون صاغ شرعيته في صلب الدستور.