البيشمركة .. حين تكتب الشعوب تاريخها بالدم والتضحية

كاوه عبان
سفير فوق العادة لمنظمة امسام الاممية

كلما اشتدت العواصف السياسية في العراق والمنطقة تعود البيشمركة إلى واجهة المشهد لا بوصفها قوة عسكرية فحسب بل باعتبارها عنواناً لتاريخ طويل من النضال والتضحيات والتمسك بالهوية فهذه المؤسسة لم تولد بقرار حكومي ولم تنشأ في ثكنة عسكرية ولم تكن يوماً مشروعاً عابراً فرضته ظروف سياسية مؤقتة بل خرجت من رحم معاناة شعب ومن ذاكرة أمة ومن جبال حملت على سفوحها قصص الشهداء والثوار على امتداد أكثر من قرن.

عندما وقف الشيخ عبد السلام البارزاني في وجه السلطنة العثمانية مطلع القرن ال20 مطالباً بحقوق شعبه، لم يكن يدافع عن قضية محلية ضيقة بل كان يؤسس لمرحلة جديدة من الوعي الوطني الكوردي وحين أُعدم في الموصل عام 1914 لم تنتهِ القضية برحيله بل بدأت صفحة جديدة كُتبت بدماء المناضلين الذين آمنوا بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالتضحيات.

ثم جاءت ثورات الشيخ محمود الحفيد بين 1919-1924 لتؤكد أن إرادة الكورد لا يمكن إخضاعها بالقوة، ففي الوقت الذي كانت فيه القوى الكبرى تعيد رسم خرائط المنطقة وفق مصالحها كان الكورد يكتبون تاريخهم بأيديهم ويعلنون أن شعباً يمتلك إرادة الحياة لا يمكن أن يُختزل في قرارات المنتصرين أو تفاهمات العواصم البعيدة.

وفي بارزان، واصل الشيخ أحمد البارزاني والملا مصطفى بارزاني المسيرة ذاتها ومن بين وديان الجبال الشامخة خرجت أجيال من المقاتلين الذين لم يحملوا السلاح من أجل الهيمنة أو التوسع أو فرض الإرادة على الآخرين بل حملوه دفاعاً عن الأرض والكرامة والوجود ومن هناك ولدت مدرسة نضالية أصبحت فيما بعد إحدى أبرز حركات التحرر في الشرق الأوسط.

وفي 1946 بقيادة القاضي محمد شكلت جمهورية مهاباد محطة مفصلية في التاريخ الكوردي الحديث ليس لأنها جسدت حلماً قومياً فحسب بل لأنها كرست اسم البيشمركة في الوجدان الكوردي رمزاً للفداء والتضحية وعندما سقطت الجمهورية لم تسقط الفكرة، بل انتقلت إلى الجبال من جديد لتبدأ فصلاً آخر من فصول النضال بقيادة الملا مصطفى بارزاني.

ومع اندلاع ثورة أيلول الخالدة عام 1961، أصبحت البيشمركة عنواناً لمقاومة استمرت سنوات طويلة في مواجهة جيوش مدججة بالسلاح والإمكانات لم تكن المعركة متكافئة من حيث العدد أو العدة لكن التاريخ كثيراً ما أثبت أن إرادة الشعوب أقوى من ترسانات الجيوش ولهذا استطاعت البيشمركة أن تحافظ على شعلة القضية الكوردية متقدة رغم الحروب والحصار والتهجير وحملات الإبادة التي تعرض لها الشعب الكوردي.

وعندما شهد العراق تحولات كبرى بعد عام 1991، كانت البيشمركة في طليعة القوى التي ساهمت في حماية تجربة إقليم كوردستان وترسيخ مؤسساته ولم يقتصر دورها على حماية الإقليم وحده بل امتد ليشمل الدفاع عن العراق كله عندما اجتاح تنظيم داعش مساحات واسعة من البلاد عام 2014. ففي الوقت الذي انهارت فيه جبهات عديدة وقفت البيشمركة بثبات على خطوط النار وقدمت التضحيات دفاعاً عن كوردستان وعن ملايين العراقيين بمختلف قومياتهم وأديانهم.

ولهذا فإن البيشمركة بالنسبة للكورد ليست مجرد مؤسسة أمنية يمكن النظر إليها بمنطق الأرقام أو الترتيبات الإدارية إنها خلاصة قرن من النضال وسجل طويل من الشهداء والتضحيات و الهوية الوطنية لكوردستان، فمن عبد السلام البارزاني إلى الشيخ محمود الحفيد ومن الملا مصطفى بارزاني إلى مسعود بارزاني ومن ثورات التحرر إلى معارك مواجهة الإرهاب، بقيت البيشمركة حاضرة في كل منعطف تاريخي تحمل الراية ذاتها وتؤدي الرسالة نفسها.

قد تختلف المواقف السياسية، وقد تتغير التحالفات والظروف لكن حقيقة واحدة بقيت ثابتة في الوعي الكردي: “أن البيشمركة لم تكن يوماً مجرد قوة عسكرية بل كانت وما زالت قصة شعب رفض الانكسار وآمن بأن الحرية تستحق التضحية وأن الأمم التي تصنع تاريخها بدماء أبنائها لا يمكن أن تُمحى من صفحات التاريخ أو تُختزل بقرارات عابرة”.

ولهذا ستبقى البيشمركة، في نظر أبناء كردستان أكثر من اسم وأكثر من مؤسسة ستبقى رمزاً لإرادة لا تُهزم ورايةً حملها الآباء والأجداد وما زالت ترفرف فوق جبال كوردستان شاهدةً على قرن من الصمود والكفاح.

قد يعجبك ايضا