كوردستان… والكابينة التاسعة: حين يصبح الصمود سياسةً يومية

فارس عيسى عبدالكريم*

شهدت فترة عمل الكابينة التاسعة لحكومة إقليم كوردستان مجموعة واسعة من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، ما جعلها واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ حكومات الإقليم المتعاقبة، في ظل ظروف إقليمية ومحلية متسارعة ومتداخلة.

تولت الحكومة مهامها في مرحلة ما بعد استفتاء شعب كوردستان، الذي أفرز واقعاً سياسياً وأمنياً جديداً، تزامن مع استمرار الخلافات المالية مع الحكومة الاتحادية في بغداد، إضافة إلى تراجع أسعار النفط، وهو ما انعكس سلباً على الإيرادات العامة وفرض ضغوطاً كبيرة على الموازنة والمؤسسات الحكومية.

كما واجه الإقليم تداعيات جائحة كورونا، التي أثرت بشكل مباشر على القطاعات الاقتصادية والخدمية والاستثمارية، إلى جانب الأعباء الثقيلة التي خلّفتها الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، حيث تحول إقليم كوردستان إلى خط دفاع متقدم في مواجهة الإرهاب، ما أدى إلى استنزاف الموارد وتكبّد خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وعلى الصعيد الإنساني، استقبل الإقليم ما يقارب مليونين ونصف المليون نازح ولاجئ، في واحدة من أكبر عمليات الاستجابة الإنسانية في المنطقة، الأمر الذي شكّل ضغطاً إضافياً على البنية التحتية والموارد المالية والقطاعات الخدمية، في وقت واصلت فيه مؤسسات الإقليم أداء واجباتها الأساسية.

وفي مواجهة هذه التحديات المتزامنة، ركزت الكابينة التاسعة على ضمان استمرارية مؤسسات الدولة، وتنفيذ برامج الإصلاح الإداري والاقتصادي، وتطوير قطاعات الطاقة والاستثمار والخدمات، إلى جانب اعتماد سياسة الحوار مع الحكومة الاتحادية في بغداد لمعالجة الملفات العالقة ضمن الأطر الدستورية.

وفي مستهل توليه رئاسة الحكومة، أعلن السيد مسرور بارزاني عن ملامح البرنامج الحكومي وأولوياته الاستراتيجية، مؤكداً أن المرحلة تتطلب عملاً مؤسسياً وصبراً وتعاوناً مجتمعياً لمواجهة التحديات المتراكمة وتحقيق الإصلاحات المنشودة. كما أكد أن شعب إقليم كوردستان يتطلع إلى الكثير من حكومته، وأن المسؤولية تقتضي العمل على تلبية هذه التطلعات، رغم وجود ملفات وتحديات تحتاج إلى وقت وجهد أكبر لضمان انعكاس نتائجها بشكل مباشر على حياة المواطنين ورفاهيتهم.

ورغم حجم هذه الصعوبات والتحديات، تمكنت الكابينة التاسعة من تحقيق جملة من الإنجازات المهمة في مختلف القطاعات، ولا سيما في تطوير البنية التحتية عبر إنشاء الطرق والجسور، وبناء عدد من السدود المائية، وإنجاح مشروع «روناكي» لتوفير الكهرباء على مدار الساعة، وإطلاق مشروع «حسابي» وتفعيل القطاع المصرفي، فضلاً عن رقمنة الخدمات العامة وأتمتة الإجراءات الحكومية، ودعم القطاع الزراعي، وتنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات الإدارية والاقتصادية والتنموية التي أسهمت في تعزيز كفاءة المؤسسات وتحسين مستوى الخدمات.

ومن هذا المنظور، لا يمكن تقييم أداء الكابينة التاسعة بمعزل عن طبيعة الظروف التي عملت فيها، إذ إن الحكم الموضوعي على أداء الحكومات يرتبط بقدرتها على إدارة الأزمات والحفاظ على الاستقرار واستمرارية المؤسسات، أكثر من ارتباطه بالشعارات أو الوعود.

ولعل البعد المؤسساتي كان أحد الأسباب الرئيسية لهذا النجاح، عندما اختار السيد مسرور بارزاني أن يصف نفسه بالخادم لا أن يتخذ وصفاً أو لقباً آخر، في رسالة تؤكد أن المسؤولية تكمن في خدمة المواطنين وتعزيز أداء المؤسسات. وفي المقابل، وفي الأوساط الشعبية والإعلامية، ارتبط اسمه بوصف «رئيس الوزراء الصامد»، ليجتمع بذلك مفهوما الخدمة والصمود في صورة واحدة، ويشكلا معاً عنواناً لتجربة اتسمت بمواجهة التحديات والاستمرار في العمل من أجل الإقليم ومواطنيه.

كما أن المؤشرات التي تحققت خلال هذه المرحلة، سواء في مجال الإصلاحات المالية والإدارية أو في تطوير البنية التحتية وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الخدمات العامة، تعكس توجهاً نحو بناء أسس أكثر استدامة لمستقبل الإقليم، رغم حجم التحديات التي فرضتها الظروف الاستثنائية.

وعليه، فإن تجربة الكابينة التاسعة ينبغي أن تُقرأ بوصفها مرحلة حكم استثنائية تداخلت فيها الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية، ما جعل معيار التقييم الحقيقي يتمثل في القدرة على الصمود، واستمرار تقديم الخدمات، والحفاظ على الاستقرار المؤسسي، ومواصلة مسيرة الإصلاح والتنمية. وهكذا تحوّل الصمود من مجرد موقف في مواجهة الأزمات إلى نهجٍ يومي في الإدارة والحكم، وعنوانٍ بارز لتجربة سياسية سعت إلى تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات دوافع لاستمرار التقدم والبناء ورفاهية المواطن وإقليمهم.

*رئيس ممثلية حكومة إقليم كوردستان في بغداد

قد يعجبك ايضا