قوة الدولة أم دولة القوة؟ البيشمركة في ميزان الفلسفة العسكرية

شيرزاد نايف

البيشمركة بين البندقية والعقيدة.. قوةٌ تُقاتل وأخرى تُقاتَل عليها،  قوة من السلاح إلى الصلاح، لنرى كيف تَصنع الجيوش الأوطان وتَصنع الفصائل الميادين؟ موضوع ليس مقارنة بين البيشمركة وبقية الفصائل المسلحة العراقية، أو مقارنةً في عدد المقاتلين أو أنواع الأسلحة أوحجم النفوذ فحسب، بل هي في جوهرها مقارنة بين فلسفتين مختلفتين في فهم القوة ذاتها. ففي الفكر السياسي الحديث لا تُقاس شرعيةالسلاح بقدرته على إطلاق النار، بل بقدرته على الخضوع لفكرة أعلى منه. فالسلاح الذي يخضع للدولة يصبح أداةً لحماية القانون، أماالدولة التي تخضع للسلاح فإنها تتحول إلى ساحة تنازع بين مراكز القوى.
لذلك أن البيشمركة بوصفها تجربة عسكرية نشأت من رحم قضية قومية كردية طويلة، ثم تطورت تدريجياً لتصبح مؤسسة ترتبط بإدارة سياسية وجغرافية محددة، وتؤدي وظائف الدفاع والأمن ضمن إطار إقليم كردستان. فالمقاتل في البيشمركة لا يُعرَّف فقط بانتمائه العسكري، بل بانتمائه إلى مؤسسة ذات حدود ومسؤوليات وسلسلة قيادة واضحة.
أما الفصائل المسلحة العراقية فتختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً، فلايجوز وضعها جميعاً في خانة واحدة. لأن كثيراً منها نشأ استجابةً لظروف استثنائية فرضتها الحروب والاحتلالات ومواجهة الإرهاب، ثم تحوّل مع الزمن إلى لاعب سياسي وأمني واجتماعي يتجاوز أحياناً الوظيفة العسكرية التقليدية.
والسؤال الفلسفي هنا ليس: من الأقوى؟ بل: ما الغاية من القوة؟..  فالبيشمركة، في صورتها المؤسسية، تستمد مشروعيتها من الدفاع عن كيان سياسي قائم. أما الفصائل العقائدية فتستمد مشروعيتها غالباً من فكرة أو عقيدة أو مهمة تاريخية تؤمن بها. الأول يدافع عن أرض وحدود ومؤسسات، والثاني يدافع عن رؤية وقناعة ورسالة. لذلك إن المقارنة الحقيقية ليس بين أنسان كردي وانسان عربي، ولا بين أقليم أو محافظات جنوبية، بل بين مفهومين للقوة.. قوة ترى نفسها جزءاً من الدولة، وقوة ترى نفسها وصيةً على الدولة أو شريكاً لها أو حاميةً لها. وقد أثبت التاريخ أن الجيوش النظامية تُقاس بقدرتها على البقاء بعد انتهاء الحرب، بينما تُقاس الفصائل بقدرتها على التكيف مع ظروف الحرب. وعندما يطول زمن الاستثناء، يبدأ الجدل الكبير حول مستقبل السلاح وموقعه من السلطة.
إن التجربة العراقية المعاصرة تكشف أن التحدي الأكبر ليس في امتلاك القوة، بل في تنظيمها. فالأمم لا تنهض بكثرة البنادق، وإنما بوحدة القرار الذي تتحرك البنادق في ظله. ولهذا تبقى القضية الأهم أمام العراق اليوم هي الانتقال من تعدد مصادر القوة إلى توحيد فلسفة القوة نفسها؛ لأن الدولة القوية ليست تلك التي تمتلك أكبر عددمن المقاتلين، بل تلك التي يلتقي عندها جميع المقاتلين تحت راية قانون واحد وقرار واحد ومصلحة وطنية واحدة.
وفي نهاية المطاف، لا يسأل التاريخ كم بندقية حملت الجيوش، بل يسأل: أي وطنٍ حمت تلك البنادق؟

قد يعجبك ايضا