النفط العراقي ومضيق هرمز بين منطق الموارد ومنطق الجغرافيا السياسية
نبيل خالد مخلف – باحث سياسي
يثير النفط العراقي، بما يمتلكه من احتياطيات ضخمة، سؤالاً اقتصادياً بالغ الأهمية “إذا كانت قيمة النفط العراقي يمكن أن تتأثر بإغلاق مضيق هرمز أكثر مما تتأثر بحجم الاحتياطي النفطي نفسه، فهل الثروة الاقتصادية تُنتجها الموارد أم الجغرافيا؟”.
للوهلة الأولى يبدو أن الموارد الطبيعية هي المصدر المباشر للثروة، فالعراق يمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، وهو ما يمنحه مكانة مهمة في سوق الطاقة الدولية، غير أن التجربة العملية تظهر أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك القوة الاقتصادية الفعلية، إذ إن المورد لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا عندما يكون قابلاً للوصول إلى الأسواق العالمية بصورة آمنة ومستقرة.
في هذا السياق، يقدم الدكتور أحمد عبد صالح المتخصص بالشأن الاقتصادي تفسيراً مهماً لهذه الإشكالية من خلال أطروحته القائلة إن «التحول من الثروة الكامنة إلى الثروة الفعلية مشروط بالمحدد الجغرافي والجيوسياسي»ؤ، فالموارد الطبيعية، مهما بلغت أهميتها، تبقى ثروة كامنة ما لم تتوافر لها بيئة جغرافية وسياسية تسمح بتحويلها إلى قوة اقتصادية مؤثرة، ومن ثم فإن الموقع الجغرافي وحرية الوصول إلى الأسواق العالمية لا يقلان أهمية عن المورد نفسه، بل قد يتفوقان عليه في بعض الحالات.
وتتجلى هذه الفكرة بوضوح في الحالة العراقية. فالعراق، على الرغم من امتلاكه احتياطيات نفطية هائلة، يعاني من ما يمكن وصفه بـ«العزلة البحرية النسبية»، إذ إن إطلالته المحدودة على الخليج العربي تجعل جزءاً كبيراً من صادراته النفطية مرتبطاً بممرات مائية استراتيجية شديدة الحساسية، وبذلك تصبح الجغرافيا عاملاً حاكماً في تحديد القيمة الاقتصادية للنفط العراقي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم المختنقات الجيوسياسية في العالم، فاعتماد صادرات النفط على هذا المضيق يجعل أي توتر أمني أو عسكري فيه قادراً على تعطيل تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، بغض النظر عن حجم الاحتياطي الموجود في باطن الأرض، وهنا تظهر صحة الفرضية التي يطرحها الدكتور أحمد عبد صالح؛ إذ إن النفط لا يفقد وجوده المادي عند إغلاق المضيق، لكنه يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الاقتصادية بسبب تعذر الوصول إلى المستهلكين.
ولا تقتصر الإشكالية على الممرات البحرية فحسب، بل تمتد إلى البدائل البرية أيضاً، فخطوط الأنابيب العابرة لدول الجوار، رغم أهميتها الاستراتيجية، تبقى خاضعة للتحولات السياسية والخلافات الإقليمية والتوترات الأمنية، ولذلك فإنها لا توفر حصانة كاملة ضد المخاطر الجيوسياسية، بل تنقل جزءاً منها إلى فضاءات جغرافية أخرى.
ومن هذا المنطلق، يصبح تنويع المنافذ التصديرية خياراً استراتيجياً ضرورياً وليس مجرد مشروع اقتصادي، فمشروعات مثل ميناء الفاو الكبير وخطوط الأنابيب البديلة نحو الموانئ الإقليمية تمثل محاولات لفك القيود الجغرافية وتقليل الاعتماد على منفذ واحد أو ممر واحد، والغاية النهائية من هذه المشاريع ليست زيادة الصادرات فقط، بل تعزيز الاستقلالية الجيوسياسية للدولة وتقليل هشاشة اقتصادها أمام المتغيرات الإقليمية والدولية.
إن هذه الرؤية تقودنا إلى إعادة النظر في مفهوم الثروة ذاته، فالثروة ليست مجرد كمية الموارد المتوافرة داخل حدود الدولة، وإنما هي قدرة الدولة على توظيف تلك الموارد وتحويلها إلى نفوذ اقتصادي وسياسي مستدام، فالدول لا تتنافس فقط على امتلاك الموارد، بل تتنافس أيضاً على السيطرة على طرق نقلها وتسويقها والوصول بها إلى الأسواق العالمية.
وعليه، فإن حالة النفط العراقي ومضيق هرمز تؤكد أن الثروة الاقتصادية لا تُنتجها الموارد أو الجغرافيا بصورة منفصلة، بل هي نتاج تفاعل بينهما، فالموارد توفر الإمكانات، بينما تحدد الجغرافيا السياسية مدى القدرة على استثمار تلك الإمكانات، وكما يخلص الدكتور أحمد عبد صالح، فإن المعادلة الواقعية في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية يمكن التعبير عنها بالصيغة الآتية:
الموارد الطبيعية + الجغرافيا السياسية المستقرة = قوة اقتصادية فعالة.
أما في غياب العامل الجيوسياسي، فإن الموارد قد تتحول إلى «ميزة نسبية معطلة»، تمتلك إمكانات هائلة لكنها تظل عاجزة عن إنتاج تأثير اقتصادي كامل، ومن هنا يمكن القول إن الجغرافيا لا تقل أهمية عن الموارد، بل إنها في كثير من الأحيان الشرط الذي يحول الثروة من مجرد إمكانية كامنة إلى حقيقة اقتصادية ملموسة.