أ.د.خليل مصطفى عثمان
في تاريخ الشعوب، ثمة مفاهيم تتجاوز حدود الكلمات لتصبح عنواناً للتضحية، والحرية، والبقاء. وفي كوردستان، لا تبدو كلمة “البيشمركة” مجرد مسمى لمؤسسة عسكرية، بل هي فلسفة دفاعية متمثلة في حماية الحياة، وصون القيم الإنسانية، وترسيخ التعايش السلمي.
واليوم، في ظل عالم يموج بالاضطرابات، يغدو إبراز دور البيشمركة كمرتكز شرعي ودستوري ضرورة أساسية لفهم استقرار المنطقة واستشراف مستقبلها.
لقد ارتبط السلاح في التاريخ الحديث بمفاهيم الحروب والدمار، غير أن المعادلة لدى البيشمركة اتخذت منحىً مغايراً تماماً؛ فصارت بندقيته أداة للدفاع عن الحقوق المشروعة وحماية الإنسان. وفي أحلك الظروف وأشد الهجمات الإرهابية ضراوة، تحول هذا السلاح إلى درع حصين لحماية المدنيين والمنكوبين، ولم تكن خنادق البيشمركة يوماً جبهات للموت، بل ملاجئ آمنة ومنافذ أمل لمئات الآلاف من النازحين الفارين من بطش الإرهاب. كما تتأصل عقيدة البيشمركة في عمق الارتباط بالأرض والطبيعة، فابن الجبل الحريص على بيئة وطنه يجعل من حماية الطبيعة وإعمارها جزءاً لا يتجزأ من مبادئه القومية والإنسانية في السلم والحرب على حد سواء.
إن ما يميز كوردستان هو نسيجها الاجتماعي الفريد وتنوعها الثقافي الغني، وهو النسيج الذي دافع عنه البيشمركة دون تمييز أو إقصاء. لقد وقفت هذه القوات موقفاً مبدئياً لحماية الأقليات والقوميات، وصون الأديان والمذاهب المتآخية في المنطقة؛ فمن المسيحيين والإيزيديين إلى الكاكائيين والتركمان والعرب، غدا سلاح البيشمركة حارساً للكنائس، والمعابد، والمساجد، في تجسيد حي وعملي لإيمانها الراسخ بمبادئ حقوق الإنسان وقيم التسامح.
وعلى الصعيد القانوني والرسمي، لم تكن البيشمركة يوماً فصيلاً خارجاً عن القانون، بل حظيت بمشروعية راسخة واعتراف صريح في إطار الدستور العراقي باعتبارها مؤسسة شرعية ودستورية. وقد شكلت البيشمركة ركيزة أساسية في مخاض التأسيس لعراق جديد، ديمقراطي وفيدرالي، قائم على مقارعة الدكتاتورية والشراكة الوطنية. وفي أعتى اختبار واجهته البشرية ضد تنظيم “داعش” الإرهابي، برزت البيشمركة كعنصر فاعل وقائد في التحالف الدولي، وحطمت ببطولاتها الميدانية أسطورة الإرهاب التي هزت العالم، حاميةً بذلك الأمن والاستقرار ليس لكوردستان والعراق فحسب، بل للمجتمع الدولي بأسره.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الوطنية والدستورية تفرض على الحكومة الاتحادية في بغداد مراجعة سياساتها، والالتزام الكامل بتعهداتها القانونية والدستورية تجاه قوات البيشمركة. إن البيشمركة، باعتبارها جزءاً رئيسياً من المنظومة الدفاعية والمؤسسة العسكرية الرسمية للبلاد، لا يمكن تركها دون غطاء مالي وتجهيز عسكري مكافئ لحجم التضحيات التي تقدمها والتحديات التي تواجهها. لذا، بات من الضروري والملحّ إبعاد هذا الملف عن السجالات السياسية، وصرف كافة المستحقات والرواتب والحقوق المالية لمنتسبيها بانتظام دون تأخير، إلى جانب تزويدها بالسلاح والعتاد المتطور الذي يمكنها من أداء واجباتها في حماية الأرض والشعب؛ فالالتزام بحقوق البيشمركة ليس منّة أو خياراً سياسياً، بل هو استحقاق دستوري ملزم، وضمانة حقيقية لتعزيز أمن العراق الاتحادي واستقراره الشامل في وجه كل الأخطار.
واليوم، ومن أجل الحفاظ على هذا الإرث والرمز القومي والوطني الكبير، تقتضي المسؤولية التاريخية صياغة خطاب داخلي يرتقي إلى مستوى التحديات. إن التعقيدات المعاصرة والتهديدات الجيوسياسية الراهنة تدعونا، أكثر من أي وقت مضى، إلى المضي قدماً نحو وحدة الصف وتلاحم الكلمة، إذ إن قوة البيشمركة تكمن في تماسكها ووحدتها. وفي ذات السياق، ولتمكين هذه القوات من أداء مهامها المقدسة بكفاءة واستدامة، لا بد من جهد رسمي حثيث وممنهج لتطوير قدراتها التقنية، وتزويدها بالأسلحة الحديثة، ومواصلة التدريب العسكري المتقدم وفق أحدث النظم والمعايير العلمية العسكرية. إن البيشمركة هي درعنا الحصين، وتعزيز هذا الدرع هو الضمانة الأكيدة لمستقبل آمن، مستقر، وسيد للأجيال القادمة.