أرقام دائرة الإعلام والمعلومات تتحدث : سبع سنوات صنعت الفارق

مهند محمود شوقي

في حياة الشعوب لحظات لا تُقاس بالأيام ولا بالسنوات، بل بحجم ما تحمله من اختبارات. وهناك مراحل يختلط فيها الأمل بالقلق، ويصبح مجرد الحفاظ على الاستقرار إنجازاً بحد ذاته. وعندما ينظر الكردستانيون إلى السنوات التي مضت منذ عام 2019، فإنهم لن يتذكروا فقط البيانات الرسمية والاجتماعات السياسية، بل سيتذكرون زمناً ثقيلاً ازدحمت فيه الأزمات من كل اتجاه.
كانت العلاقة بين أربيل وبغداد ما تزال تحمل إرثاً طويلاً من الخلافات حول النفط والغاز والموازنة والحقوق الدستورية. وكانت الرواتب تتحول في أحيان كثيرة إلى مصدر قلق لعشرات الآلاف من العائلات التي تنتظر نهاية كل شهر كما ينتظر المسافر وصوله إلى محطة آمنة. وكانت المنطقة كلها تعيش تحولات سياسية واقتصادية متسارعة، فيما كانت الخلافات الداخلية تضيف المزيد من التعقيد إلى مشهد لم يكن بسيطاً في الأصل.
في تلك الظروف، لم يكن السؤال المطروح أمام حكومة إقليم كردستان هو كيف تحقق إنجازات كبيرة فقط، بل كيف تمنع الأزمات من أن تتحول إلى شلل كامل، وكيف تحافظ على عجلة الحياة وهي تدور وسط العواصف.
منذ تسلمه رئاسة الحكومة في عام 2019، وجد مسرور بارزاني نفسه أمام ملفات لم تُصنع في عهده، لكنها وُضعت على مكتبه. ملفات تعود إلى سنوات طويلة من التجاذبات السياسية والاقتصادية بين أربيل وبغداد، وملفات أخرى تتعلق بالاقتصاد والخدمات والبنية التحتية ومستقبل الإقليم نفسه.
لم يكن الطريق ممهداً. فالمفاوضات مع بغداد استمرت سنوات، والاتفاقات كانت تتقدم أحياناً وتتراجع أحياناً أخرى، فيما بقي المواطن ينتظر النتيجة النهائية على شكل راتب مستقر وخدمات أفضل ومستقبل أكثر وضوحاً.
ولم تكن التحديات تأتي من الخارج فقط. فالبيت الكردي نفسه لم يكن بعيداً عن الخلافات السياسية والرؤى المختلفة بشأن إدارة الملفات الحساسة. وفي كثير من الأحيان كانت الحكومة تجد نفسها مطالبة بإدارة التوازنات السياسية في الوقت الذي كانت تحاول فيه إدارة الاقتصاد والخدمات ومشاريع التنمية.
لكن وسط كل ذلك، كان هناك خيار واضح: إما الاستسلام لمنطق الأزمات اليومية، أو محاولة البناء رغم كل شيء.
وكان ملف الرواتب واحداً من أكثر الملفات حساسية. فخلف كل راتب عائلة تنتظر، ووراء كل تأخير قصة قلق جديدة. ولهذا لم يكن مشروع “حسابي” مجرد مشروع مصرفي أو إجراء إداري، بل محاولة لتغيير علاقة المواطن بالمؤسسات المالية وبناء نظام أكثر استقراراً وشفافية.
وبحسب دائرة الإعلام والمعلومات فقد تم اليوم تسجيل أكثر من مليون ومئة وثمانية وستين ألف موظف ومستحق راتب ضمن المشروع، وتم توزيع أكثر من 830 ألف بطاقة مصرفية. وفي شهر أيار وحده استلم نحو 800 ألف مواطن رواتبهم عبر 635 جهاز صراف آلي منتشرة في مختلف مناطق الإقليم. قد تبدو هذه الأرقام جافة للوهلة الأولى، لكنها في حقيقتها تعني شيئاً آخر؛ تعني أن مئات الآلاف من الموظفين لم يعودوا مضطرين إلى الانتظار في الطوابير الطويلة، وتعني أن راتب الموظف بات أقرب إلى يده من أي وقت مضى، وتعني أن الإقليم بدأ يخطو نحو ثقافة مالية أكثر حداثة واستقراراً.
وفي قطاع الكهرباء، كانت المعركة مختلفة لكنها لا تقل أهمية. فالكردستانيون يعرفون جيداً ماذا يعني انقطاع الكهرباء في الصيف، وماذا يعني الاعتماد على المولدات الأهلية لعقود طويلة. ولهذا جاء مشروع “روناكي” ليحاول كسر حلقة استمرت سنوات طويلة.
لم يكن المشروع مجرد أسلاك ومحطات ومحولات، بل كان محاولة لإعادة تعريف الخدمة الأساسية التي يحصل عليها المواطن. فالهدف لم يكن زيادة ساعات التجهيز فقط، بل الوصول إلى مرحلة تصبح فيها الكهرباء أمراً طبيعياً لا حدثاً استثنائياً يحتفل به الناس. وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تعمل على تحسين الخدمات الأساسية، كانت ورش العمل تنتشر في مختلف أنحاء الإقليم لبناء ما هو أبعد من الحاضر.
فوفق دائرة الإعلام والمعلومات ، فقد تم إنجاز 810 مشاريع للطرق والجسور بكلفة إجمالية بلغت تريليوناً و57 مليار دينار. كما تم إنشاء أو إعادة تأهيل 3055 كيلومتراً من الطرق في مختلف محافظات الإقليم.
لكن قيمة هذه المشاريع لا تُقاس بالإسفلت والخرسانة فقط. فخلف كل طريق قصة قرية أصبحت أقرب إلى المدينة، ومزارع بات يصل إلى السوق بسرعة أكبر، وطالب اختصر ساعات من السفر اليومي، ومستثمر وجد بيئة أفضل للعمل. فالطرق ليست مجرد بنية تحتية، بل شرايين حياة تربط الناس ببعضهم وتربط الحاضر بالمستقبل.
أما المياه، فقد كانت هي الأخرى عنواناً لتحدٍ لا يقل خطورة. ففي منطقة تواجه آثار التغير المناخي وتراجع الأمطار عاماً بعد آخر، لم يعد الحديث عن المياه ملفاً خدمياً فحسب، بل قضية تتعلق بالأمن والاستقرار ومستقبل الأجيال القادمة.
ولهذا شهد الإقليم توسعاً كبيراً في مشاريع السدود والخزانات المائية. واليوم يوجد في إقليم كردستان ٣٦ سداً، تم إنجاز 25 منها، فيما يجري العمل على بناء 11 سداً آخر. وخلال الأعوام الخمسة الماضية تم إنشاء تسعة سدود جديدة بسعة تخزينية تجاوزت 252 مليون متر مكعب من المياه، إلى جانب بناء 178 حوضاً مائياً و23 بركة مائية، مع استمرار العمل على إنشاء 58 بركة أخرى.
والمثير للاهتمام أن كثيراً من هذه السدود والبحيرات لم تتحول إلى مصادر للمياه فقط، بل أصبحت وجهات سياحية يقصدها الزوار من مختلف مناطق العراق، لتتحول مشاريع المياه إلى مشاريع حياة واقتصاد وسياحة في الوقت نفسه.
وفي أربيل، برز مشروع الطوارئ للإمداد السريع بالمياه بوصفه واحداً من أهم المشاريع التي مست حياة الناس بشكل مباشر. فالمشروع يضخ 20 ألف متر مكعب من المياه الصالحة للشرب في الساعة الواحدة، وأصبح بمثابة الضمانة الأساسية لتأمين احتياجات المدينة خلال أشهر الصيف.
وبفضل هذا المشروع، تمكنت الجهات المختصة من إغلاق نحو ألف بئر للمياه الجوفية كانت تستنزف المخزون المائي بصورة مستمرة. وفي مدينة كانت تراقب مواسم الجفاف بقلق، أصبح الحديث يدور عن إدارة الموارد وحماية المستقبل بدلاً من البحث عن حلول مؤقتة للأزمات.
ولأن التنمية لا تكتمل من دون بيئة سليمة، شهدت أربيل أيضاً إطلاق مشروع الحزام الأخضر، وهو أحد أكثر المشاريع البيئية طموحاً في تاريخ المدينة.
فالخطة تستهدف زراعة سبعة ملايين شجرة حول العاصمة، وقد تم حتى الآن غرس نحو 700 ألف شجرة، غالبيتها من أشجار الزيتون. وربما لا تبدو الشجرة خبراً سياسياً كبيراً، لكنها بعد سنوات ستتحول إلى ظل يحمي مدينة كاملة من التصحر والغبار والتلوث، وستصبح شاهداً صامتاً على مرحلة اختارت أن تفكر بالمستقبل لا بالحاضر فقط.
لكن التنمية لا تُقاس بالمشاريع المنجزة وحدها، ولا يمكن اختزال مستقبل أي مجتمع بعدد الطرق أو السدود أو محطات الكهرباء التي يتم إنشاؤها. فما تزال هناك تحديات حقيقية تواجه الإقليم، وفي مقدمتها ترسيخ الاستقرار المالي طويل الأمد، ومعالجة آثار الخلافات المتكررة مع بغداد، وتوسيع فرص العمل أمام الأجيال الشابة، وتنويع الاقتصاد بما يقلل من الاعتماد على الموارد التقليدية ويعزز دور القطاع الخاص. فالتنمية الحقيقية لا تكتمل إلا عندما تنعكس آثارها بصورة مباشرة ومستدامة على حياة المواطنين ومعيشتهم اليومية.
ومع ذلك، فإن قيمة أي تجربة حكومية لا تُقاس بغياب المشكلات أو التحديات، بل بقدرتها على التعامل معها. فالتاريخ لا يخلد الحكومات التي عملت في ظروف مثالية، بل يتذكر تلك التي واصلت العمل وسط الضغوط والأزمات، واستطاعت أن تحافظ على مسار البناء رغم العثرات والعقبات.
ورغم كل هذه المشاريع، لم تكن صورة الإقليم في الإعلام دائماً انعكاساً لما يجري على الأرض. فالأزمات والخلافات كانت تتصدر العناوين، بينما كانت الطرق تُعبد، والسدود تُبنى، وشبكات المياه تتوسع، ومشاريع الكهرباء تتقدم خطوة بعد أخرى بعيداً عن الضجيج.
ولا يعني ذلك أن التجربة كانت مثالية أو خالية من الأخطاء. فلا توجد حكومة في العالم تعمل وسط هذا الحجم من التحديات من دون أن تواجه انتقادات أو إخفاقات. لكن الإنصاف يقتضي النظر إلى الصورة كاملة، لا إلى جزء منها فقط.
وعندما ننظر إلى السنوات التي مضت منذ عام 2019، نجد إقليماً واجه ضغوطاً مالية متواصلة، وخلافات سياسية داخلية، وإرثاً معقداً من المشكلات مع بغداد، وحملات إعلامية وانتقادات لا تتوقف. لكننا نجد أيضاً طرقاً جديدة، وسدوداً جديدة، ومشاريع مياه، وتحولاً مالياً رقمياً، وخطوات جدية لمعالجة واحدة من أقدم أزمات المنطقة، وهي أزمة الكهرباء.
وهنا، لا يكتب التاريخ تفاصيل السجالات اليومية بقدر ما يتذكر ما بقي على الأرض بعد أن يهدأ الجدل. وعندما يأتي ذلك اليوم، لن يسأل الناس عن عدد المؤتمرات الصحفية التي عُقدت أو حجم الخلافات التي دارت، بل سيسألون سؤالاً أبسط من ذلك كله: ماذا بقي؟
وهنا تحديداً تبدأ الإجابة.
فبين العاصفة والبناء، كانت هناك سبع سنوات حاول فيها إقليم كردستان أن يمضي إلى الأمام، وأن يضع حجراً جديداً في طريق المستقبل، مهما كانت الرياح التي هبت في وجهه.

قد يعجبك ايضا