وثيقة الكرامة والوجود.. البيشمركة أكثر من ترسانة عسكرية

فينوس بابان

​في التوقيت السياسي الأكثر حرجاً وحساسية، وفي ظل أمواج متلاطمة من التحولات الإقليمية والتجاذبات التي تشهدها المنطقة جاء خطاب الرئيس مسعود بارزاني ليشكل مرتكزاً إستراتيجياً صلباً في جدار المشهد السياسي، لم يكن الخطاب مجرد رد فعل عابر على منصة (إكس) بل كان قراءة واعية وعقيدة إستراتيجية متجددة أعاد من خلالها رسم حدود الهوية والثوابت التي لا يمكن لأي قراءة سياسية طارئة، داخلياً كانت أم خارجياً أن تخطئ في فهمها، وحين يقرر القائد التاريخي للحركة التحررية الكوردية التدخل ليعيد تعريف سلاح البيشمركة، فإن الرسالة تتجاوز حدود الحروف لتصبح وثيقة عهد قومي ودبلوماسي تقطع الطريق على كل التأويلات والمقاربات القاصرة التي حاولت في ظل ظروف سياسية خاصة تناول هذا السلاح بتفسيرات غير دقيقة وجرد مادي مجحف.
​لقد خاض الرئيس بارزاني في خطابه معركة مفاهيمية وفلسفية كبرى، فحين تحاول بعض الأطراف تسييس موضوع السلاح واختزاله في أبعاد مادية وقانونية مفرغة كأدوات قتال أو ترسانة عسكرية يمكن إخضاعها للمساومات والاتفاقيات المرحلية جاء الرد بنفي قاطع ومؤثر أعلن فيه أن سلاح البيشمركة ليس مجرد قطع من حديد. الرئيس هنا ينزع عن السلاح صفته المادية التبادلية وينقله إلى مصاف المقدس الرمزي فالحديد يُباع ويُشترى ويمكن نزعه بقرار أو تفكيكه بتسوية أما العقيدة والتاريخ والكرامة فهي قيم متجذرة في الوجدان لا تخضع لمنطق الجرد العسكري أو الابتزاز السياسي بل تعكس جوهر الفكر النضالي والالتزام الدائم بحفظ الاستقرار وحماية الأرض والوطن.
​هذا المفهوم يقود مباشرة إلى شرعية الولادة والرحم التاريخي والخصوصية الفريدة التي تميز البيشمركة عن أي تشكيل آخر، فهذا السلاح يحمل في هويته إرثاً نضالياً ناصعاً حيث لم تكن البيشمركة في تاريخها الطويل قوى نظامية تبحث عن رواتب أو امتيازات مادية بل كان رجالها يغادرون بيوتهم إلى قمم الجبال نصرةً لقضيتهم ويدفعون من دمائهم وحياتهم ثمناً للكرامة والهوية ودون أي مقابل مادي. ومن هنا تبرز حقيقة تفكيكية يرسخها الخطاب وهي استحالة مقارنة البيشمركة لا واقعاً ولا فكراً بأي من التشكيلات أو المسميات المسلحة الأخرى الطارئة، فالبيشمركة لم تتأسس بقرار حكومي فوقي ولم تولد بمرسوم إداري يمكن إلغاؤه بمرسوم مضاد بل هي وُلِدَت من رحم دماء ومعاناة ودموع شعب كوردستان. هذه الصياغة البلاغية تمنح البيشمركة شرعية ثورية وتاريخية تسبق وتتفوق على أي شرعية قانونية مؤقتة وهي رسالة واضحة لكل القوى بأن من يحاول التشكيك في دور هذا السلاح فإنه لا يواجه منظومة عسكرية تقليدية بل يواجه تضحيات أجيال ودموع أمهات وتاريخ شعب بأكمله تجسد في إرادة وصمود صلب في وجه أعنف التحديات التاريخية وهو السلاح ذاته الذي أثبت للعالم أنه كان ولا يزال الحصن المنيع في مواجهة الإرهاب وصمام الأمان للاستقرار الإقليمي والدولي.
​ومن خلال هذا الربط الإستراتيجي حمل الخطاب في طياته رسائل توازن وثبات ثلاثية الأبعاد، كانت الأولى موجهة إلى الشركاء في العملية السياسية في بغداد بأن سلاح البيشمركة ثابِتٌ وجودي لا يدخل في بازار الموازنات أو صفقات تشكيل الحكومات أو طروحات التفكيك، لأنه جزء لا يتجزأ من العقيدة الأمنية الدستورية للإقليم.

والرسالة الثانية وجهت إلى المجتمع الدولي لتؤكد أن حماية إقليم كوردستان وصون كيانه الدستوري يعتمد بالدرجة الأولى على إرادة البيشمركة وتلاحم الشعب وعناصر القوة الذاتية، باعتبارها قوة سلام واستقرار مجربة. أما الرسالة الثالثة فكانت باتجاه الداخل الكوردي لترتيب البيت الداخلي، والدعوة الصريحة لتوحيد الصف وتجاوز الخلافات الحزبية الضيقة تحت راية رمز جامع يتسامى فوق كل الحسابات، وتذكير الأجيال الشابة بالعهد والإخلاص الذي تحمله البيشمركة دائماً تجاه أرضها.
​إن هذا الخطاب يعيد صياغة معادلة السلام في المنطقة مؤكداً أن الاستقرار لا يصنعه الضعف وأن سلاح البيشمركة هو الضمانة الحقيقية لعيشٍ مشترك آمن ومصان، لقد نجح الرئيس مسعود بارزاني في تحويل النقاش من جدل تقني حول المعدات والترسانة إلى قضية أمة وتاريخ وثقافة نضالية، ليرسخ حقيقة إستراتيجية مفادها أن هذا السلاح لم يكن يوماً أداة للاعتداء بل هو درع الكرامة وسياج الوطن وحين تتماهى بندقية البيشمركة مع هوية الشعب تصبح القوة رسالة سلام حاسمة ويصبح السلاح رمزاً لوجودٍ حي لا ينحني وعهدٍ وطني صاغته التضحيات ليبقى منارة للأجيال وحصناً للسلام والاستقرار.

قد يعجبك ايضا