هل العراق قادر على الانتقال من النظرية الاشتراكية للاقتصاد إلى السوق الحرة؟

سردار علي سنجاري

أطلق السيد علي الزيدي رئيس وزراء العراق الفيدرالي رؤية اقتصادية جديدة 2035 تتمحور للانفتاح الاقتصادي في العراق والانتقال من النظرية الاشتراكية التي كانت سائدة منذ عقود طويلة تحت هيمنة الدولة إلى نظرية الاقتصاد المفتوح او ما يطلق عليه بالاقتصاد الحر يقوده القطاع الخاص . ورغم ان السيد الزيدي ما زال في بداية مشواره السياسي إلا أن ما قدمه من أفكار اقتصادية لم تكن مطروحة في الساحة العراقية منذ زمن حكم عبد الكريم قاسم اي الجمهورية العراقية الاولى إلى هذا اليوم هذا بحد ذاته يعني ان العراق مقبل على مرحلة جديدة من النمو والازدهار إذا ما تم توفير الدعم الكامل له من قبل الأحزاب والكتل السياسية العراقية باختلاف توجهاتها.
إن انتقال العراق من الاقتصاد ذي الطابع الاشتراكي إلى اقتصاد السوق ليس مجرد عملية اقتصادية، بل هو تحول اجتماعي ومؤسساتي شامل يتطلب إصلاحات قانونية وإدارية وسياسية متكاملة. ورغم ما يمتلكه العراق من موارد طبيعية وبشرية هائلة، فإن نجاح هذا التحول يعتمد على بناء مؤسسات قوية، ومكافحة الفساد، وتنمية القطاع الخاص، وتوفير الحماية الاجتماعية للفئات المتضررة. ويبدو أن تبني نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي يمثل الخيار الأكثر توازناً لتحقيق التنمية المستدامة والاستقرار الاجتماعي، بما يضمن الاستفادة من مزايا السوق مع الحفاظ على العدالة الاجتماعية ودور الدولة في حماية المصالح الوطنية.
يواجه العراق منذ عقود تحديات اقتصادية تتمثل في الاعتماد الكلي على الإيرادات النفطية، وتضخم القطاع العام، وضعف مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي. ومع تزايد الضغوط المالية وارتفاع معدلات البطالة، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في النموذج الاقتصادي السائد والبحث عن آليات انتقال تدريجي نحو اقتصاد السوق . ومن هنا علينا التركيز على أهمية الرؤية الاقتصادية الجديدة التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاجتماعي والتطور المجتمعي الذي يمكن ان يؤدي إلى تحقيق التنمية المستدامة الشاملة والانتقال إلى اقتصاد مستدام . ولكن هناك الكثير من التحديات والعوامل التي قد تؤدي الى إبطاء وتيرة النمو في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد حاليا. وهنا نتساءل إلى أي مدى يمتلك العراق المقومات اللازمة للانتقال من الاقتصاد ذي الطابع الاشتراكي إلى اقتصاد السوق، وما الآثار الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة لهذا التحول.
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات اقتصادية كبيرة تمثلت في انتقال العديد من الدول من الأنظمة الاقتصادية الاشتراكية أو الموجهة إلى اقتصاد السوق القائم على القطاع الخاص والمنافسة الحرة. وقد برز هذا التحول بشكل واضح بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واتجاه العديد من الدول نحو الخصخصة وتحرير الأسواق بهدف تحقيق النمو الاقتصادي ورفع الكفاءة الإنتاجية. وقد أدى ذلك الى زيادة نمو الاقتصاد في العديد من الدول ولدينا تجارب لدول يمكن للعراق الاستفادة منها منها تجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية حيث تبنت ألمانيا نموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي” الذي جمع بين حرية السوق والعدالة الاجتماعية وكذلك تجربة بولندا حيث شهدت بولندا تحولاً جذرياً بعد انهيار النظام الاشتراكي واصبحت اليوم من الدول الأكثر نموا بين دول الاتحاد السوفييتي السابق. وكذلك أمامنا تجربة الصين التي اعتمدت إصلاحات اقتصادية منذ عام 1978 مع الإبقاء على الدور الاستراتيجي للدولة. واصبحت أكبر عملية تنمية اقتصادية في العصر الحديث. حيث أدت إلى خروج مئات الملايين من الفقر و تحول الصين إلى قوة اقتصادية عالمية .
ربما يتسأل البعض عن كيفية مواجهة التحديات التي قد تواجه الرؤية المستقبلية للاقتصاد العراقي وكيفية التعامل مع تلك التحديات. للإجابة على تلك التساؤلات لا بد من معرفة ما هي طبيعة التحديات التي يواجهها الاقتصاد العراقي الحالي وكيفية معالجتها من اجل الانتقال من الاشتراكية ( التي كانت حتى 2003 سائدة في العراق) إلى السوق الحر . التحديات التي تواجه العراق أهمها الاعتماد على النفط حيث تشكل الإيرادات النفطية النسبة الأكبر من الموازنة العامة. ومن ثم ضعف القطاع الخاص حيث ما يزال القطاع الخاص محدوداً مقارنة بحجم القطاع الحكومي.
واهم التحديات هو الفساد الإداري والمالي
حيث يعد من أكبر معوقات الاستثمار.
وكذلك ضعف البنية التحتية حيث مازال العراق يعاني من شح في الكهرباء ووسائل النقل والخدمات اللوجستية ماعدا اقليم كوردستان الذي تجاوز الكثير من العقبات لإتباعه سياسة السوق المفتوحة منذ زمن . وكذلك يواجه العراق مشكلة ثقافة الوظيفة الحكومية حيث ما يزال الكثير من المواطنين يفضلون الوظائف الحكومية على العمل في القطاع الخاص.تلك التحديات تحتاج إلى العديد من المراحل من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة للبلاد واهمها الإصلاح التشريعي حيث لابد من تحديث القوانين الاقتصادية بحيث تتناسب مع المرحلة المقبلة وكذلك ايجاد قوانين تحمي المستثمرين ، وضمان حقوق الملكية . ومن المراحل الهامة اعادة هيكلة القطاع العام من خلال تقييم الشركات الحكومية. وكذلك دمج المؤسسات الخاسرة. تطوير الشركات القابلة للاستمرار . ولابد من التركيز على أن تلك المراحل قد لا تكون كافية لتحقيق النمو الاقتصادي وعليه لابد من البحث عن مرحلة معينة من الخصخصة التدريجية والتي تتم عبر بيع الأسهم لإيجاد فرص استثمارية جديدة والشراكة مع القطاع الخاص الذي يمكن الاستفادة منه في السوق المالية المحلية والعالمية وكذلك ايجاد طريقة تضمن عقود تشغيلية طويلة الأمد . ولا تتم تلك المراحل بنجاح إن لم نقم بتحرير الأسواق والتي تشمل تحرير الاسعار وتسهيل التجارة وتشجيع المنافسة. وهنا لابد للدولة من بناء شبكات الحماية الاجتماعية لحماية الفئات المتضررة من التحول الاقتصادي.
ان اي تحول في اي عملية اقتصادية يجب أن توخذ فيها العوامل الإيجابية والسلبية لذلك التحول وهنا علينا دراسة تلك العوامل التي قد تؤدي إلى حدوث تغيرات في مسار النمو الاقتصادي في العراق . واذا بدأنا بالعوامل الإيجابية لذلك التحول فإننا نرى ان اهم ما يمكن للدولة ان تقوم به بحيث تكون قادرة على ضمان اقتصاد قوي هو التنوع الاقتصادي حيث يعتبر العراق بلدا مهيأ للاستثمار في مجالات مختلفة ولكن ما يزال اعتماده الكلي على النفط . وبما ان العراق اليوم انتقل إلى مرحلة من النمو الاقتصادي وبالأخص ما شهده اقليم كوردستان في السنوات الأخيرة من تطور اقتصادي كبير في كافة المجال بحيث كان ساحة مفتوحة لجذب المستثمرين واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية وتلك التجربة الناجحة للاقليم يمكن تعميمها على نطاق العراق . تلك الاستثمارات سوف تخلق الكثير من فرص العمل وزيادة التشغيل في القطاع الخاص ورفع الكفاءة الاقتصادية وتحسين الإنتاجية والمنافسة. وكل ذلك سوف يصب في زيادة الإيرادات الحكومية عبر توسيع النشاط الاقتصادي.
اما الآثار السلبية التي قد تواجه تلك التحولات أهمها البطالة الانتقالية نتيجة إعادة هيكلة القطاع العام. وكذلك اتساع الفوارق الاجتماعية في حال ضعف شبكات الحماية الاجتماعية.و احتمالية الاحتكار إذا لم توجد رقابة فعالة.و ارتفاع تكاليف المعيشة عند رفع الدعم الحكومي. وهذه الآثار واجهت الدول التي تحولت من النظام الاشتراكي إلى نظام السوق الحر ولكنها كانت مرحلية ومن ثم بدأت عملية النمو تشمل قطاعات متعددة من المجتمع.
بما ان العراق يملك موقعا جغرافيا استراتيجيا يؤهله لتحقيق النمو الاقتصادي وكذلك يملك العراق الثروات الطبيعية التي لا تزال غير مستخدمة في الاقتصاد المحلي لان اعتماد العراق مايزال قائما على النفط وكذلك العراق يملك طاقة شبابية عالية وكفاءات كبيرة في مجالات مختلفة يمكن الاستفادة منها بشكل فعال لذا ان عملية الانتقال الكامل إلى السوق الحرة او الرأسمالية المطلقة يمثلان خيارا مناسبا للعراق وربما يكون اقتصاد السوق الاجتماعي كما هو الحال في السويد والنرويج وألمانيا نموذجا اكثر واقعية حيث يقوم على اقتصاد حر يقوده القطاع الخاص وله دور تنظيمي ورقابي قوي للدولة ويضمن حماية الفئات الضعيفة ويحافظ على ملكية الدولة للقطاعات الاستراتيجية ويشجع الاستثمار المحلي والأجنبي ويوفر خدمات التعليم والصحة الاساسية للمواطنين.

قد يعجبك ايضا