النفط العراقي ورهانات الجغرافيا

محمد علي الحيدري

لم تكن أزمة النفط في العراق يوماً أزمة إنتاج بقدر ما كانت أزمة اعتماد مفرط على مورد واحد ومسار واحد. فكلما شهدت المنطقة توتراً سياسياً أو أمنياً، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: كيف يمكن لدولة تعتمد على النفط في تمويل أكثر من تسعين في المئة من إيراداتها أن تبقى مطمئنة إلى اقتصاد يرتبط مصيره بممرات مائية وأزمات إقليمية لا تملك السيطرة عليها؟

التطورات الأخيرة في منطقة الخليج، وما رافقها من مخاوف تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، أعادت تذكير العراقيين بحقيقة استراتيجية طالما جرى تجاهلها. فالعراق، رغم امتلاكه أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على تصدير نفطه عبر منطقة شديدة الحساسية سياسياً وأمنياً.

المشكلة لا تكمن فقط في احتمال تعطل الصادرات أو انخفاضها، بل في حجم التأثير الذي يمكن أن يتركه أي اضطراب على مجمل الحياة الاقتصادية للدولة. فالموازنة العامة ورواتب الموظفين ومشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية جميعها ترتبط مباشرة بتدفق العائدات النفطية. وعندما يصبح مصدر الدخل الرئيس عرضة للاهتزاز، تصبح الدولة بأكملها عرضة للاهتزاز معه.

لقد منحت أسعار النفط المرتفعة العراق خلال فترات عديدة شعوراً زائفاً بالأمان. غير أن التجارب المتكررة أثبتت أن الوفرة المالية المؤقتة ليست بديلاً عن التخطيط الاستراتيجي. فالدول التي تعتمد على مورد واحد تتحول تدريجياً إلى رهينة لتقلبات الأسواق والأزمات الجيوسياسية، مهما بلغت ثرواتها الطبيعية.

وفي حالة العراق تبدو المشكلة أكثر تعقيداً. فإلى جانب الاعتماد المفرط على النفط، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في بناء قطاعات اقتصادية قادرة على تخفيف هذا الاعتماد. فالزراعة تراجعت، والصناعة الوطنية تعثرت، والاستثمار في القطاعات الإنتاجية بقي دون المستوى المطلوب. وهكذا أصبح النفط لا يمثل العمود الفقري للاقتصاد فحسب، بل يكاد يكون الجسد كله.

الأخطر من ذلك أن الجغرافيا نفسها تحولت إلى عنصر ضغط اقتصادي. فالعراق لا يواجه فقط تحديات السوق العالمية، بل يواجه أيضاً معضلة طرق التصدير والممرات الاستراتيجية والعلاقات الإقليمية المعقدة. وكلما تصاعد التوتر في الخليج أو تعطلت خطوط التصدير البديلة، ازدادت هشاشة الوضع الاقتصادي.

من هنا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على كيفية زيادة الإنتاج النفطي أو رفع الصادرات، بل على كيفية تقليل اعتماد الدولة على النفط أساساً. فالأمن الاقتصادي لا يتحقق بكثرة الآبار وحدها، بل بتنوع مصادر الدخل وقدرة الاقتصاد على الصمود أمام الصدمات الخارجية.

لقد كشفت التطورات الأخيرة مرة أخرى أن أكبر تهديد للاقتصاد العراقي ليس نقص الثروة، بل سوء توزيع المخاطر. فالدولة التي تضع معظم مواردها في سلة واحدة ستظل معرضة للقلق مع كل أزمة إقليمية أو تقلب في الأسواق.

ولهذا فإن التحدي الاستراتيجي الأكبر أمام العراق لا يتمثل في استخراج المزيد من النفط، بل في بناء اقتصاد لا يتوقف مستقبله على سلامة مضيق أو استقرار سوق أو قرار يصدر خارج حدوده. فالثروة الحقيقية ليست ما يخرج من باطن الأرض، بل ما تستطيع الدولة أن تبنيه فوقها.

قد يعجبك ايضا