صوتٌ لا يُستبدل

سمير ميراني

السياسة مثلها كمثل الحياة تأخذ وتمنح، وبينهما تضع أمامك ثمناً تحدده اختياراتك أنت في لحظاتٍ لا تعود.
فما اخترته بالأمس تحمل ثمنه اليوم ، سواءً كان نعمةً تسعدك أو وبالاً يثقل كاهلك، وفي كلتا الحالتين تقف وحدك أمام ما زرعته بيديك.
وفي هذا الميدان الذي يسمى سياسة، ضع أمام عينيك حقيقة واحدة قبل أن تخطو، فالوسيلة في أغلب أحوالها تحمل من الشوائب ما يجعل الهدف النبيل حلماً بعيداً، وهذه مرآةٌ تريك الميدان كما هو لا كما تتمنى، لأن من يدخله وقد غمّض عينيه يخرج وقد خسر ما يصعب استرداده.
وفي تلك اللحظة التي ترى فيها الأمور على حقيقتها، يبدأ الفرز الحقيقي بين من يملك روحه ومن رهنها دون أن يشعر، فالسياسي الذي يعجز عن الجرأة يبدأ بخيانة صوته قبل أن يخون الآخرين ، يشغل مكاناً لا تكفيه أدواته، فيمشي في الطريق وظله أكبر منه ، وقد أدرك أبيقور هذه الحقيقة حين قال: لا يمكن للمرء أن يعيش بحكمة وشرف وعدل دون أن يكون متحرراً من الخوف ، فالخوف قفص يسجن الإنسان فيه قناعاته ويُطعمها كل يوم لمن يملك مفتاحه.
ومن هذا الخوف بالذات يولد الجريء، حين يقرر في لحظة صادقة أن يكون أكبر من قيوده ، وما يميزه أنه يملك عقله ويوجّه فكره ويحمل منفعة من حوله، دون أن يطلب منه أحد، لأن ضميره قائده الاول والأخير ، وجرأته هذه تحمل في داخلها شرطاً صارماً، فالخروج عن المألوف يجب أن يخدم المجتمع لا أن يبني نفسه على حسابه، لأن الجرأة التي تنمو على أنقاض الآخرين تفقد اسمها وتكشف وجهها الحقيقي.
ومن هنا يشتعل الصراع الحقيقي، الذي يتجاوز الاحزاب والتيارات إلى صراع بين عالمين يتجاذبان روح كل من دخل هذا الميدان، السياسي يساوم على الفضيلة كلما ضاقت عليه الخيارات، يتمسك بحقوقه ويتنصل من واجباته، ويجد في كل مساومة مبرراً يُسكت به صوت ضميره، والاجتماعي يسعى للفضيلة لأنها الطريق الوحيد لبناء شيء يدوم، وحين يقدم الإنسان على المساومة يوماً بعد يوم ،يحمل في نهاية المطاف بذرة الشر وقد ألبسها ثوب الفضيلة، ويمشي بها مطمئناً وهو يظن أنه على الطريق الصحيح.
وحين يغريك البقاء ضمن القطيع بدفئه وأمانه، تذكر أن لهذا الأمان ثمناً خفياً يدفع على أقساط، لا تحس بثقلها إلا حين تلتفت ذات يوم لتجد أنك فقدت صوتك الخاص دون أن تودعه، يقول نيتشه:إذا أردت حياةً سهلة، عليك أن تبقى ضمن القطيع.
أمّا الجريء فيختار طريقاً آخر، يتكاتف مع مجتمعه ويتعاون ويتعايش، لكنه يحتفظ في أعماقه بشيء لا يتنازل عنه، صوته الخاص الذي يعرف أن ذوبانه في الكتلة خيانة لما خُلق ليكونه.
وتغيير هذا الجريء الحقيقي يبدأ حين تتبدل سلوكياته تجاه الآخرين والحياة ، لأن من يحمل التغيير في داخله يُحدثه في خارجه، ومن يفتقده في داخله يُوهم من حوله بما لا يملك، وليس كل سياسي رجلاً يفهم الناس ، لكن من عاش بينهم وقرأ مالا تقوله الوثائق، يحمل من الحكمة ما تعجز عنه المناصب والألقاب .
وحين تخلو بنفسك بعيداً عن كل الأصوات، سيجلس أمامك سؤال لا يغادرك، هل ما تفعله اليوم هو ما اخترته حقاً؟ أم أنك تسير قي طريقٍ رسمه غيرك ذات يوم وأقنعك أنه طريقك ؟ الباب مفتوح ، والجواب لك وحدك ، إن أردت أن تسأل.

قد يعجبك ايضا