أطفال رانيا العباسي والعدالة الغائبة

محمد إبراهيم / اسطنبول

تعتبر قضية الطبيبة رانيا العباسي وزوجها الطبيب عبدالرحمن ياسين وأطفالها واحدة من أكثر القضايا الإنسانية المؤلمة في الملف السوري، إذ تتعلق باختفاء أسرة كاملة عن مسرح الحياة، بعد مداهمة منزلها في دمشق خلال سنوات الصراع. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بسبب هوية الضحايا من جهة، وبسبب العدد الكبير من الأطفال الذين كانوا ضمن الأسرة من جهة أخرى.

رانيا العباسي ابنة عالم الدين الكردي المعروف الشيخ جواد العباسي من حي الكورد في دمشق. كانت طبيبة أسنان معروفة في الوسط الطبي والرياضي، وكانت تعيش مع زوجها وأطفالها في العاصمة السورية. وخلال فترة التوترات الأمنية التي شهدتها سوريا، تعرض منزل الأسرة للمداهمة، ثم انقطعت أخبار أفرادها، لتتحول القضية مع مرور السنوات إلى واحدة من أكثر القضايا حضوراً في ذاكرة السوريين.

تتناول غالبية النقاشات المتعلقة بهذه القضية النقطة المثيرة الأليمة المتعلقة بالأطفال بشكل خاص رغم مأساة والديهم. فالقضية لا تتعلق بشخصين بالغين فقط، وإنما تشمل أطفالاً صغاراً كانت أعمارهم متفاوتة، بينهم طفلة رضيعة. ولهذا السبب بقيت القضية حاضرة بقوة في الضمير و الوعي العام، لأن استهداف أسرة تضم هذا العدد من الأطفال يثير أسئلة تتجاوز الانقسام السياسي وتدخل مباشرة في نطاق المسؤولية القانونية والإنسانية.

السوريون عرفوا خلال سنوات الحرب والاعتقال والاختفاء القسري آلاف المآسي، إلا أن قضايا قتل الأطفال بشكل إرهابي تبقى أكثر القضايا حساسية. فالطفل لا يملك قراراً سياسياً ولا موقعاً عسكرياً ولا دوراً في الصراعات الدائرة. وحين تختفي أسرة بكاملها دون تقديم معلومات واضحة عن مصيرها، فإن الأسئلة تتراكم عاماً بعد عام دون إجابات مقنعة.

وتشير شهادات متداولة حول زوج رانيا العباسي إلى أنه كان طبيباً معروفاً بأعمال إنسانية ومساعدات خيرية و اجتماعية قدمها لمحتاجين. كما ترد روايات تتحدث عن مساعدته لإحدى الأسر الحمصية الفقيرة في دمشق قبل اختفائه. ولهذا السبب يطالب كثيرون بكشف الحقيقة كاملة، سواء فيما يتعلق بظروف اعتقاله أو بمصير زوجته وأطفاله.

جوهر القضية اليوم يكمن في العدالة. فالحديث عن العدالة لا يعني الرغبة في الانتقام، لأنه يرتبط بضرورة معرفة تفاصيل ما جرى، وتحديد المسؤوليات، وتقديم كل من شارك في هذه الجريمة إلى محاكمة عادلة وفق القانون. إذ إن المجتمعات لاسيما بعد سقوط أي نظام تسعى بجدية إلى بناء مستقبل مستقر كما أنها تحتاج إلى كشف الحقائق المتعلقة بالانتهاكات الكبرى، وخاصة تلك التي طالت الأطفال والمسنين والنساء، وسائر المدنيين الأبرياء.

ومن الطبيعي أن يطرح السوريون سؤالاً واضحاً: كيف اختفت أسرة كاملة طوال هذه السنوات دون كشف مصيرها بصورة رسمية ومقنعة؟ وكيف يمكن إغلاق هذا الملف قبل معرفة ما جرى للأطفال؟ هذه الأسئلة ما زالت قائمة، وما زالت تحتاج إلى إجابات تستند إلى وثائق وتحقيقات ومسار قضائي واضح.

قضية رانيا العباسي وأطفالها تتجاوز حدود أسرة واحدة، إذ ترتبط بمبدأ عام يتعلق بحماية المدنيين وحق الضحايا في المعرفة والمحاسبة. ومن هنا تبرز أهمية العمل على كشف الحقيقة وملاحقة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت خلال سنوات الصراع، لأن ترسيخ العدالة يشكل خطوة ضرورية في أي مسار يهدف إلى بناء دولة قانون ومؤسسات.

ويبقى الأطفال الذين ارتبطت أسماؤهم بهذه القضية رمزاً لمعاناة آلاف الأسر السورية التي ما زالت تنتظر معرفة مصير أبنائها. ولهذا السبب يستمر مطلب العدالة قائماً، وتستمر المطالبة بالمحاسبة وكشف الحقيقة بوصفها حقاً للضحايا وحقاً للمجتمع بأكمله.

قد يعجبك ايضا