دينا سليمً
الخوف رداءً / قصة قصيرة بقلم: دينا سليم حنحن نُقلت ميرا إلى غرفة الجراحة، نظرت إلى السقف الأبيض، ابتسمت ابتسامة مهانة خفيفة، غلبها الضعف وضاعت شجاعتها، بقي الخوف! فقدت القدرة على التأقلم، أحست وكأنها تُساق إلى قدرٍ مجهول، لا إلى علاجٍ يُنقذها. الأضواء ساطعة بشكلٍ قاسٍ، بيضاء، لدرجة أنها أحرقت عينيها، والهواء بارد يحمل رائحة معقمة خانقة، المكان بلا روح! اقتربت منها امرأة ملامحها حادة، عيناها قاسيتان بلا أي أثر للطمأنينة، ناقلة الأجساد، تدعى رُوانا، سوف تنقلها من سرير إلى آخر، لم تقل أي كلمة لطيفة، ولم تحاول تهدئتها، سارت بالسرير إلى مركز الغرفة، دفعته بقوة، كانت حركتها عنيفة، وكأنها تنقل جسدًا لا إنسانًا، في تلك اللحظة، شعرت ميرا وكأنها تُقاد إلى المقصلة، لا إلى طاولة نجاة. ظهر شاب ضئيل البنية، نحيف وقصير، حركاته مترددة ونظراته مشتتة، حاول المساعدة، ارتبك عندما تلاقت نظراته مع رُوانا، حركة سريعة تحمل معان كثيرة، زاد وجوده من قلق ميرا التي انتظرت مستلقية بهدوء دون حيلة. ثم جاءت اللحظة التي لن تنساها، نقلوها من سريرها إلى خشبة العمليات، ضيقة، صلبة، صلدة، عندما استقرت عليها، أصبحت محاصرة، لا مجال للحركة، لا مهرب. انحنت رُوانا فوقها، وبصوت خشن جاف قالت: – هذه الخشبة ضيقة، لا تتحركي! – هل نوثقها؟ سأل الشاب مشتت الذهن؟ – لا داعي، هي جاهزة الآن، لنذهب! أجابت رُوانا. لم يكن في صوت رُوانا أي دفء، فقط أوامر باردة، نظراتها رجولية وملامحها مخيفة، حضورها طاغٍ، جعل ميرا تشعر برعب بدائي، غريزي، لا يمكن تفسيره. – هل سأكون بخير؟ سألت ميرا الطبيبة بصوت مرتجف. – ستكونين أكيد، ستنامين، هذا كل ما في الأمر، سنأتي بعد انتهاء العملية لنطمئن عليك. تتدخل رُوانا في المحادثة، تعلن عن أهمية وجودها حتى في حضور الطاقم كامل، بصوت أجش وعنيف قالت: – المريضة جاهزة، لنذهب الآن؟ تعلم رُوانا جيدا كيف تتقمص دور الرجولة، بما أنها سحاقية، وشمت جسدها بأوشام مخيفة وحتى عنقها، حلقت شعرها بصورة دائرية حول محيط رأسها، كشفت امتيازات الذكور، تاركة أوشام صعب فهمها. – أنا خائفة، أكره أن أكون بين يدي سحاقية في لحظاتي الحرجة هذه، كيف لها أن تكون آخر من يراها المريض قبل دخولة مرحلة التخدير، لكن يحق لها العمل طالما هي مؤهلة له، هي نصف رجل، قوية البنية، صوتها أجش، ذا عضلات قوية، تملك قدرة على نقل المرضى، وقدرة على كبت أنفاسهم وأحاسيسهم أيضا، لماذا أشعر بالخوف! قالت ميرا في سرها. تسارعت أنفاسها، ثم بدأت تتقطع، خفق قلبها بعنف، لم يحتمله صدرها، حاولت التمسك بأي فكرة تُطمئنها، لكن كل شيء حولها كان يصرخ بالخطر. تعمل الناقلة رُوانا في قسم الجراحة ونقل المرضى، خطواتها سريعة ونبرتها حادة، لا تضيع وقتها في المجاملات، تتعامل مع يومها كأنه سلسلة مهام يجب إنجازها بدقة وسرعة، عندما تدخل الغرفة، تُعلن عن حضورها بصوت جهوري واضح، وتبدأ فورًا تجهيز المريض ونقله إلى غرفة العمليات. – هل أنتَ جاهز، أم تريد مساعد ثالث؟ سألت رُوانا الشاب المتردد. – قلت لكِ من قبل يا رُوانا ألا تنظري إلى بنيتي الضئيلة، أنا قوي، لا أريد مساعدا. أجابها بتردد أيضا. لا تميل رُوانا إلى الكلام الكثير، وغالبًا ما تكون عباراتها قصيرة ومباشرة: – هيا بنا إذن، مستعد؟ أنقل، واحد..إثنان..ثلاثة. تحرك، انتهت المهمة. قد يراها البعض فظة أو قاسية، لكن من يعمل معها يعرف أن خلف هذا الأسلوب شخصية تعرف تمامًا ما تفعله، لا تتهاون في إجراءات السلامة، وتحرص على أن يتم النقل بسلاسة ودون أخطاء. رغم أسلوبها الصارم، هناك لحظات تكشف جانبًا مختلفًا منها، عندما تلاحظ خوفًا شديدًا في عيون أحد المرضى، تخفف نبرتها قليلًا، وتقول جملة مقتضبة لكنها صادقة، قالت لميرا: – لا تقلقي، الأمر تحت السيطرة. تلك الكلمات القليلة كانت كافية لمنح ميرا بعض الشعور بالأمان. خارج العمل، تعيش رُوانا حياتها بطريقتها الخاصة، لا تكترث كثيرًا بآراء الآخرين، واضحة وصريحة، سواء في شخصيتها أو في هويتها التي اختارتها، ترى أن القوة في أن يكون الإنسان نفسه دون تزييف، قد لا تكون الأكثر لطفًا في القسم، لكنها بالتأكيد من الأكثر كفاءة، وشخص يُعتمد عليه عندما تكون الدقة والسرعة مسألة حياة أو موت.