المستشار منير حداد
منتظراً في مطار إسطنبول، أحلم بالوصول الى بغداد، صبحني أخ سعودي، قائلاً:
– أنا أعرفك.
وأكد معرفته بمعلومات عني.. فعلاً… توقعت سيلاً من شتائم ومحاضرة في الخسارة التي منيت بها الأمة لأنني حققت مع صدام حسين، ونفذت حكم الأعدام به… وليلة العيد وما إليها من كلام مستهلك.. بطل العرب والإسلام وحارس البوابة الشرقية وقاصف إسرائيل بسعة وثلاثين صاروخاً و… واشك على إكمال المهمة بإلقائها في البحر.
لكن المفاجأة أثنى على الدور التاريخي الذي أبليته في منع الطاغية من الإفلات، في توقيت حرج مكتظ بخطط دولية لإنتشاله من الإعدام:
– أحبك وأحترمك؛ لأنك منصف وعادل.
وتعبيراً عن وده؛ أهداني علبة سيكار كوبي؛ موقف جعلني أراجع نفسي، في تداع حر:
حمداً لله الذي نصرني بالإنتصاف للعراقيين والعرب، من صدام حسين! حمداً لله على نعمة العدالة.. عدالة خالصة في الإيمان بالله والولاء للعراق، كفكفت دموع الأمهات الثواكل والزوجات الأرامل والأبناء اليتامى.
حققتُ مع الطاغية ونفذت حكم الإعدام فيه، منتمياً الى فروسية الرجال الشجعان.. عندما يتولى يعفُّ.. وملتزماً شروط مهنة القضاء، إذا وجد القاضي في نفسه غضاضة على المتهم؛ يجب أن يتنحى عن القضية؛ إقتداءً بالإمام علي.. عليه السلام، الذي ظل يدور حول عمر بن ود العامري، ريثما زال الغيظ الشخصي؛ فقتله في الإسلام وليس لحقد ذاتي.
حققتُ مع صدام ونفذت حكم الإعدام فيه، محيَّداً الضيم الفظيع الذي عشته في المعتقل.. يافعاً.. أتلقى أخبار إعدام شقيقي حسن حداد.. بمثابة والدي رباني مشرفاً على تنشئتي إجتماعياً وعقائدياً وإنسانياً، غرس في وعيي القيم المثلى؛ بعد أن تيتمت في الثامنة.. وإعتقال إبنة شقيقتي في القمائط.. بعمر أربعين يوماً، ووالدتي وشقيقاتي الثلاث؛ بتهمة معارضة النظام، وموت أهل وأحبة.. كمداً؛ جراء مأسٍ لوصبت على الجبال لصاخت!
لكن حفظت شرف مهنة القضاء وأخلاق الفرسان، عندما وجدت نفسي أنوب عن أجيال من عراقيين مات من مات شهيداً أو مات مأزوماً أو تشرد نجاءً من الرمضاء في عراق الطاغية، الى نار الغربة!
حققت معه ونفذت حكم الإعدام فيه؛ لأجل الشهداء والمنفيين والأمهات واليتامى والذين ضاع مستقبلهم بين المعتقلات والحروب الهوجاء.
فحمداً لله الذي أناب كوردياً فيلياً، لينفذ حكم الإعدام بطاغية وزع ظلمه على العراقيين كافة، من دون تمييز فئوي، ولم ينتصح أو يهش ذباب الشياطين التي تغويه بمزيد من ولوغ خطمه بدم الأبرياء.
وزع ظلمه بالتساوي على كل ما تطاله مخالبه العطشى للدم، ظمأً لا يرتوي.. قتل رفاقه في قاعة الخلد، عقب أيام من توليه السلطة، مزيحاً البكر الذي جاء به الى السلطة.
قتل رفاقه بتهمة تآمر لفقها، مواصلاً الحكم على أساس “بعث تشيده الجماجم والدم” ذابحاً أهل تكريت وسامراء وبلد وحيثما حلّ يفرج عن أزمات نفسية مكبوتة برؤية الدم.
حتى عائلته لم تسلم من طغيانه.. لا أحد بمنجاة من غيظه وبغضه للسلام، عاشق الأزمات والتجييش والحروب وعسكرة الناس؛ فلا أحد عاش مطمئناً طيلة خمسة وثلاثين عاماً من نزوات صدام حسين الفظيع.
ألا تبت ثرامات الشعبة الخامسة، التي أعدمته فيها، وتب سلطانه الذي ظنه خالداً؛ فتهاوى خلال بضعة أيام وسلمه الله لنا لننتصف لدموع اليتامى وحزن الثواكل والمترملات في عز إنوثتهن، عزاؤهن ترديد إهزوجة “شبابنا يريدون الهوى والبين ما خلاهم”.