سمير السوره ميري
حين نفقد ملعقة الطعام القديمة ” أبو السنبلة ” ونستبدلها بملعقة سفريّة باردة، لا نفقد أداةً صغيرة فحسب بل نفقد شيئًا من دفء الأيام، وحين تختفي سُفرة الطعام اليومية أو تلك الصينية الفافونية، التي كانت تجمع العائلة حول رغيف وحديث وضحكة وأدب الطعام، ونستبدلها بوجبابات سريعة تحملها الأكياس المنكهة كيميائيًا فإنَّ الذي يغيب حقًا ليس الطعام بل روح البيت.
كان المطبخ يومًا قلب العائلة وكانت رائحة الخبز والطعام الطازج تعلن أنَّ للحياة معنى، وأنَّ للبيت نبضًا حيًا، أما اليوم فقد أصبحت رنَّة وصول الطلبية أسرع من لهفة اللقاء، وغابت حرارة الأيدي التي كانت تصنع الطعام بمحبة، لتحل محلها وجباتٌ تُشبع الجسد وتترك الروح أكثر جوعًا.
وحين يموت قريب أو صديق، ندخل عزاءً مختصرًا كأنه واجبٌ إداري مفروض، ساعتان من الحضور العابر، وكلمات جاهزة تؤدى بلا روح، ثم ينفض الجمع سريعًا كأنَّ الموت خبرٌ يومي لا يحق له أن يوقظ إنسانيتنا طويلا، وربما نكتفي ببطاقة عزاء إلكترونية باردة، ونمضي وكأنَّ الفقد لم يكن يومًا زلزالًا في القلب.
وحين يغيب من نحب أو يخرج أحدهم من حياتنا بلا عودة تعجز أصابعنا عن عزف أبسط نغمة للسؤال عنه، لا لأنَّ الوقت ضاق، بل لأن الروح نفسها بدأت تفقد قدرتها على الإلتفات، وفي اللقاءات التي كانت تضج بالحكايات، أصبح الصمت سيد المكان، نجلس جميعنا متجاورين لكن عيوننا غارقة في شاشات صغيرة لا تنقل الكثير إلا التفاهات، وأرواحنا أبعد المسافات، تقل الكلمات ويبرد الحضور، حتى يبدو الإنسان كأنه يعيش عزلة جماعية داخل الزحام.
هنا … يبدأ فقدان المعنى.
هكذا فقدنا حنين التواصل وحرارة القرب، حتى أخذت القلوب تتصلب ببطء وتفقد وظيفتها الأولى أن تشعر، أصبحت العلاقات تُقاس بالمصلحة، والواجبات تُودى بالمقابل، والمكانة تُمنح للمناصب لا للمكارم، حتى علاقتنا بالخالق باتت عند الكثيرين خوفًا من العقاب أكثر منها شوقًا إلى رحمة.
فماذا يبقى للإنسان حين يفقد المعنى الذي خُلق لأجله؟
إنَّ مأساة عصرنا ليست الفقر وحده ولا الحروب وحدها، بل ذلك الصمت الرهيب الذي بدأ يسكن أرواحنا حتى صرنا نفقد الأسباب العميقة التي تدعونا إلى الحياة، فقدان المعنى ليس حزنًا عابرًا بل اِنهيار داخلي بطيء، هو أن يتحول العمر إلى طريق بلا وجهة، وأن يعيش الإنسان أيامه وكأنه يؤدي طقوسًا متكررة لا روح فيها، نسيقظ لنكرر الأمس ونتظر الغد بالملل ذاته، حتى يصبح الزمن دائرة مغلقة يدور فيها الإنسان دون أن يشعر أنه يحيا حقًا.
لقد اِقتربت المسافات لكن القلوب تباعدت، ازدادت وسائل التواصل لكن الإنسان أصبح أكثر وحدة، واِنتشر القلق حتى صار أوسع حضورًا من الأطمئنانية، بينما غاب الضمير في فوض الحياة الحديثة وعزلتها الخفية، وهنا تتجلى عبثية الوجود التي تحدث عنها ألبير كامو : ذلك التكرار المرهق للأيام، وذلك الشعور بأنَّ الإنسان يدفع صخرة حياته كل صباح لتعود وتسقط من جديد، التي اِستعارها من أسطورة سيزيف من الميثولوجيا الإغريقية، كرمز لمعاناة الإنسان وعبثية الحياة.
لكن الكارثة الحقيقية ليست في تكرار الأيام بل في أن نفقد قدرتنا على الشعور بها، إنَّ فقدان المعنى يدفع الإنسان إلى القلق والضياع والإغتراب الروحي، لأن الروح لا تعيش بالخبز وحده بل تحتاج معنى يدفئها، وغاية تجعل التعب محتملا والمحبة ممكنة، الحياة جديرة بأن تُعاش.
لقد أسقط الإنسان الحديث كثيرا من الأشياء التي كانت تمنح قلبه أطمئنانية دفء العائلة وصدق العلاقات وبساطة اللقاء وروح المشاركة والاِحساس بالمصير الإنساني المشترك، ومع سقوط هذه المعاني بدأ الإنسان يخسر نفسه ببطء وهو يظن أنه يتقدم، ولهذا قال الحكماء: إنَّ الإنسان لا يموت حين يتوقف قلبه، بل يموت حين تفقد حياتُه معناها.