نبيل عبد الأمير الربيعي
هناك كتّاب يخلّفون وراءهم كتباً، وهناك من يخلّفون أفكاراً، لكن قلة نادرة من الكتّاب يتركون وراءهم ضميراً إنسانياً حياً يستمر في مساءلة الواقع بعد رحيلهم. ومن هذه الفئة الاستثنائية يبرز اسم الأديب التركي الكبير عزيز نيسين، الذي لم يكن مجرد قاص أو روائي أو كاتب مسرحي ساخر، بل كان ظاهرة ثقافية وإنسانية نادرة استطاعت أن تجعل من السخرية موقفاً أخلاقياً، ومن الضحك شكلاً من أشكال المقاومة.
لقد عاش نيسين حياة مليئة بالتناقضات؛ بين الفقر والشهرة، وبين السجن والجوائز العالمية، وبين الاضطهاد الرسمي والمحبة الشعبية الجارفة. لكنه ظل طوال تلك الرحلة محتفظاً بإيمانه العميق بالإنسان، وبقدرته على الانتصار على الظلم والجهل والتعصب عبر الكلمة الحرة.
وُلد نصرت عزيز نيسين في العشرين من كانون الأول عام 1915، في زمن كانت فيه الحرب العالمية الأولى تمزق العالم وتترك خلفها الخراب والمآسي. نشأ في أسرة فقيرة تقطن جزيرة هيبلي أدا القريبة من إسطنبول، وكانت طفولته صورة مصغرة لمعاناة الطبقات الشعبية في تركيا آنذاك. وقد تركت تلك البيئة الفقيرة أثراً عميقاً في شخصيته، وجعلته أكثر التصاقاً بقضايا الناس البسطاء وهمومهم اليومية.
كان يحلم منذ صباه بأن يصبح كاتباً، غير أن الظروف الاقتصادية لم تكن تسمح لأبناء الأسر الفقيرة بمتابعة التعليم بسهولة. لذلك وجد نفسه مضطراً إلى الالتحاق بالمدارس العسكرية التي كانت توفر التعليم والإقامة مجاناً. وهكذا سار في طريق لم يختره قلبه، لكنه فرضته ضرورات الحياة. تخرج ضابطاً في الجيش التركي عام 1935، إلا أن روحه المتمردة وعقله النقدي لم ينسجما طويلاً مع الانضباط العسكري الصارم.
لم يطل الوقت حتى وجد نفسه خارج المؤسسة العسكرية بسبب آرائه وسخريته الجريئة، ليبدأ فصل جديد من الكفاح الشخصي. عمل في مهن كثيرة ومتنوعة؛ بائعاً متجولاً، ومحاسباً، وبائع صحف، ومصوراً فوتوغرافياً، وعاملاً في أعمال متفرقة، لكنه لم يجد ذاته الحقيقية إلا في الكتابة.

كانت الصحافة بوابته الكبرى نحو الشهرة والمواجهة معاً. ففي صفحات الجرائد اكتشف أن الكلمة يمكن أن تكون أكثر قوة من أي سلاح. غير أن هذه القوة جرّت عليه غضب السلطات التي لم تكن تتسامح مع النقد والسخرية. وحين عمل في صحيفة “تان” الشهيرة تعرضت الجريدة لحملة تحريض انتهت بإحراق مكاتبها، فعاد نيسين إلى البطالة مرة أخرى، لكن ذلك لم يكسر إرادته.
كان اسمه وحده كافياً لإثارة حساسية الرقيب، لذلك اضطر إلى استخدام أكثر من مئتي اسم مستعار. وتحت تلك الأسماء كتب آلاف المقالات والقصص والتحقيقات والافتتاحيات. لقد كان حاضراً في الصحافة التركية بأسماء متعددة، وكأنه جيش كامل من الكتّاب يتحرك في جسد رجل واحد.
أما مغامرته الأشهر فكانت مجلة (ماركو باشا) الساخرة التي أصدرها مع الأديب صباح الدين علي. سرعان ما تحولت المجلة إلى منبر شعبي واسع الانتشار، يقرأها الناس لأنها تنطق بما يعجزون عن قوله. ولهذا السبب تحديداً أصبحت هدفاً دائماً للرقابة والملاحقة. كانت السلطات تصادر الأعداد تباعاً، حتى اضطر القائمون عليها إلى تغيير اسم المجلة مراراً للتحايل على قرارات المنع.
وقد دفع نيسين ثمن تلك الجرأة من حريته الشخصية. دخل السجن أكثر من مرة، وتعرض للمراقبة والمضايقات، لكنه لم يتراجع. كان يؤمن أن السخرية ليست مجرد وسيلة للإضحاك، بل أداة لكشف الزيف وفضح النفاق الاجتماعي والسياسي.
وعندما سُئل عن سر تعلقه بالسخرية، عاد بذاكرته إلى سنوات الطفولة. قال إنه كان أصغر من زملائه جسماً وسناً، ولم يكن يملك القوة الجسدية للدفاع عن نفسه، فاكتشف أن السخرية تمنحه نوعاً آخر من القوة. كان يسخر من المتنمرين فيخافون لسانه أكثر مما يخافون القبضة. ومع مرور السنوات تحول هذا السلاح الفردي إلى مشروع فكري واجتماعي واسع يدافع عن المظلومين والمهمشين.
لم تكن موهبة نيسين محصورة في الصحافة، فقد كتب القصة والرواية والمسرحية والمقالة وأدب الأطفال والشعر. وأصدر خلال حياته أكثر من مئة كتاب، تُرجم كثير منها إلى ما يقرب من خمسين لغة، ووصلت أعماله إلى قرّاء في مختلف أنحاء العالم.
وفي خمسينيات القرن الماضي بدأ اسمه يفرض حضوره عالمياً. ففي عام 1956 فاز بالجائزة الأولى في المسابقة الدولية للكتابة الساخرة في إيطاليا ونال (النخلة الذهبية)، ثم عاد في العام التالي ليفوز بالجائزة نفسها مرة أخرى. كما نال (القنفذ الذهبي) في بلغاريا، وحصد العديد من الجوائز الأدبية المرموقة التي كرّست مكانته بوصفه أحد أهم كتّاب السخرية في العالم.
لكن الجانب الأكثر إشراقاً في شخصية عزيز نيسين لم يكن أدبه وحده، بل إنسانيته العملية. فبعد أن حققت كتبه انتشاراً واسعاً ووفرت له مورداً مالياً جيداً، لم يفكر في الثراء أو الترف الشخصي، بل اتجه إلى مشروع اجتماعي استثنائي تمثل في تأسيس (وقف عزيز نيسين) لرعاية الأطفال الأيتام واللقطاء.
كان يرى أن المجتمع منحه فرصة التعليم والنهوض، ولذلك شعر بواجب أخلاقي تجاه الأطفال الذين حرموا من الأسرة والاستقرار. فأنشأ مؤسسة تربوية متكاملة تهدف إلى إعداد أجيال قادرة على بناء مستقبلها بكرامة واستقلالية.
وقد خصص جزءاً كبيراً من عائدات مؤلفاته وأملاكه لهذا المشروع. وكانت فلسفته التربوية تقوم على بناء الإنسان لا مجرد إعالته. لذلك كان الوقف يوفر التعليم والرعاية والتأهيل المهني والثقافي، ويمتد دعمه إلى المراحل الجامعية العليا إذا أظهر الأبناء رغبة في مواصلة الدراسة.
ومن اللافت أنه منح جميع الأطفال الذين تربوا في الوقف اسمه الشخصي، وكأنهم أبناؤه الحقيقيون. وعندما سُئل إن كان يخشى أن يسيء أحدهم إلى اسمه في المستقبل، أجاب بروح الأب الحقيقي: (وهل يستطيع أي أب أن يضمن ألا يسيء ابنه إلى اسمه؟).
في مطلع ثمانينيات القرن العشرين التقى به الكاتب السوري حسن م. يوسف خلال ندوة أدبية في دمشق. وقد وصفه بأنه إنسان بسيط إلى حد الإدهاش، بعيد عن التكلف والاستعراض، يمتلك روحاً رحبة وعقلاً متقداً وحضوراً إنسانياً يوازي قيمة منجزه الأدبي.
كان نيسين يؤمن بأن الكاتب الحقيقي يجب أن يكون جزءاً من المجتمع لا متفرجاً عليه. ولذلك ظل منحازاً إلى الفقراء والمحرومين حتى آخر أيام حياته. لم يغره المجد الأدبي، ولم تغره الجوائز العالمية، بل بقي مشغولاً بالسؤال نفسه: كيف يمكن للكلمة أن تجعل العالم أكثر عدلاً؟
وفي السادس من تموز عام 1995 توقفت حياة عزيز نيسين الجسدية في مدينة تشيشمه على الساحل الغربي لتركيا، لكن رحلته الإنسانية لم تنتهِ. فما زالت كتبه تُقرأ، وما زالت سخريته تكشف عيوب الواقع، وما زال مشروعه الاجتماعي شاهداً على إيمانه العميق بالإنسان.
وقبل سنوات قليلة من رحيله كتب كلمات بدت وكأنها وصيته الأخيرة للعالم:
(لقد عجز كيميائيو العصور الوسطى عن تحويل النحاس إلى ذهب، أما أنا فقد نجحت في تحويل دموعي إلى ضحكات أهديتها للناس).
تلك العبارة ليست مجرد جملة أدبية بليغة، بل هي خلاصة حياة كاملة. فقد عاش عزيز نيسين الألم والفقر والسجن والملاحقة، لكنه لم يسمح لتلك التجارب أن تتحول إلى مرارة. بل صهرها في مختبر الإبداع الإنساني، وحوّلها إلى ضحكات تحمل في أعماقها حكمة ووعياً وأملاً.
وهكذا لم يكن عزيز نيسين مجرد كاتب ساخر، بل كان ضميراً إنسانياً نادراً، ورجلاً أثبت أن الضحك قد يكون أحياناً أكثر جدية من الخطب، وأن السخرية الصادقة تستطيع أن تقول ما تعجز عنه الكتب السياسية والخطب الرنانة. ولذلك بقي اسمه حياً في ذاكرة القرّاء، لا باعتباره أديباً كبيراً فحسب، بل باعتباره إنساناً نجح في أن يحوّل دموعه الخاصة إلى ابتسامة واسعة للعالم كله.