دور العلماء والأئمة في توحيد صفوف كوردستان

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي*

إن الأمم لا تبنى بالقوة المادية وحدها، بل تبنى كذلك بالكلمة الصادقة، والموقف الحكيم، والخطاب المسؤول الذي يجمع ولا يفرق، ويوحد ولا يشتت. وفي هذه المرحلة المهمة من تاريخ كوردستان تبرز مسؤولية العلماء والأئمة والخطباء باعتبارهم أصحاب رسالة ومنابر مؤثرة في المجتمع، فهم ورثة الأنبياء وحملة الأمانة الذين تقع على عاتقهم مهمة تعزيز وحدة الصف وترسيخ الأخوة بين أبناء الوطن.
لقد أمر الله تعالى بالوحدة ونهى عن الفرقة فقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
ومن هنا فإن واجب العلماء والخطباء أن يجعلوا من منابر الجمعة منابر للوحدة والتآخي والتسامح، وأن يدعوا إلى نبذ الخلافات التي تضعف المجتمع وتمنح الفرصة لأعداء الأمة للتدخل في شؤونها.
إن كوردستان كانت قوية عندما توحد أبناؤها، وكانت أكثر استقراراً عندما اجتمعت الكلمة على المصالح العليا للشعب والوطن. ولهذا فإن على الأئمة والخطباء أن يخصصوا جزءاً من خطب الجمعة للحديث عن أهمية وحدة الصف الكوردي، وأن يبينوا للناس أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة أو قطيعة، وأن المصلحة العامة فوق المصالح الحزبية والشخصية.
وقد قال رسول الله ﷺ: «يد الله مع الجماعة». وقال ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
إن هذه التوجيهات النبوية العظيمة تؤكد أن القوة الحقيقية تكمن في التكاتف والتعاون، وأن التفرق سبب للضعف والتراجع.
كما أن للعلماء دوراً كبيراً في إصلاح ذات البين، فقد قال النبي ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاح ذات البين».
ومن هنا فإن مسؤولية العلماء لا تقتصر على التعليم والإرشاد فقط، بل تشمل أيضاً تقريب وجهات النظر، وإطفاء نار الفتن، والدعوة إلى الحوار والتفاهم بين مختلف الأطراف خدمةً لمصلحة كوردستان ومستقبل أجيالها.
إن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً دينياً وطنياً واعياً يركز على المشتركات الكثيرة التي تجمع أبناء كوردستان، ويغرس في نفوس الشباب قيم المحبة والاحترام والتعايش والتعاون. فالوطن القوي يحتاج إلى مجتمع متماسك، والمجتمع المتماسك يحتاج إلى علماء حكماء يحملون همّ الأمة ويقدمون مصلحة الشعب على كل اعتبار.
وفي هذا السياق، فإن دعوات القيادة الكوردستانية إلى الوحدة والتعاون تستحق أن تجد صدىً في المساجد والمنابر والمؤسسات الدينية والثقافية، لأن وحدة كوردستان ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل هي ضرورة وطنية ودينية وأخلاقية تحفظ الأمن والاستقرار وتصون المكتسبات التي تحققت بدماء الشهداء وتضحيات البيشمركة الأبطال.
نسأل الله تعالى أن يحفظ كوردستان وأهلها، وأن يوفق علماءها وأئمتها وخطباءها للقيام برسالتهم العظيمة في جمع الكلمة وإصلاح القلوب وتوحيد الصفوف، وأن يجعل من كوردستان نموذجاً للأخوة والتعايش والاستقرار والازدهار.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

*امام وخطيب

قد يعجبك ايضا