العينان اللتان بقيتا في الأب

1. طفل لا يُنسى

حين كان يركض بين أشجار التوت خلف البيت، كانت عيناه الواسعتان تسبقان ضحكته. وكان أبوه يقول لأمه مازحاً:

— هذا الولد لو مرّ في سوق العبيد قديماً لاشترته الملوك.

فتُخفي الأم ضحكتها، ويتهرب الطفل إلى الحقول.

كان اسمه روني.

كانت عيناه كأنهما تستعرقان ضوء الشمس قبل أن يذهب إلى النوم. وحين كان ينام، كانت أمه تبقى لحظة تنظر إليه، تطمئن أن الحلم لا يزال يسكن جفنيه.

2. الألم الصغير

في الخامسة من عمره، بدأ يشكو من ألم خفيف في عينه اليمنى.

ظنت الأم أن غبار الصيف دخل إليها. ثم ظنوا أنها حساسية. ثم قال أحد الجيران إنها عين حاسد.

لكن الألم لم يرحل. بل أخذ يكبر بصمت، كما تكبر المصائب حين تختار بيتاً بعينه.

في المستوصف القروي لم يجدوا جواباً. وفي المدينة المجاورة لم يجدوا طبيباً مختصاً. كانت الحرب قد ابتلعت كل شيء: المشافي، الأدوية، الأطباء، وحتى الطمأنينة.

حمل الأب طفله وانطلق به إلى دمشق.

حواجز. انتظار. وجوه متعبة. قلوب تحمل أبناءها كأنها تحمل أرواحها خارج أجسادها.

3. التشخيص الأول

بعد فحوصات طويلة، جلس الطبيب صامتاً.

كان صمته أثقل من أن يُحتمل، كأنه يوزّن الكلمات قبل أن يطلقها.

ثم رفع رأسه وقال:

— ابنكم مصاب بورم خبيث في العين. يجب استئصالها فوراً.

لم يفهم الأب الجملة أول الأمر. ظل يحدق في الطبيب كأنه يتحدث بلغة أخرى.

ثم سأل:

— وماذا نفعل؟

تنهد الطبيب.

— يجب استئصال العين فوراً. لو أخذته إلى أفضل مستشفى في العالم، سيقال لك الشيء نفسه. إذا لم تُستأصل، سينتقل المرض إلى الدماغ.

شعر الأب كأن أحدهم هوى بفأس على رأسه. وقف فجأة. ارتجفت يداه. وقال بصوت مبحوح:

— لا… لا يا دكتور… أنا مستعد أبيع بيتي… أرضي… سيارتي… كل ما أملك. فقط أنقذوا عينه.

نظر الطبيب إليه بعطف مؤلم. ذلك النوع من العطف الذي لا يغيّر شيئاً.

خرج الأب من الغرفة وهو يشعر أن الأرض لم تعد تحمل وزنه.

4. بكاء خلف الأبواب

في الليل، سمع الأب بكاءً خافتاً من المطبخ.

لم تكن أم روني تبكي بصوت. كانت تخفي دموعها بين رحيّ القهوة وهي تعد فنجاناً لن يشربه أحد.

دخل الأب إليها، وضع يده على كتفها.

لم تتكلم. فقط مدت يدها إلى درج المطبخ، وأخرجت ورقة صفراء قديمة. كانت صورة روني وهو رضيع، يحدق في الكاميرا بعينين كبيرتين لم تريا الشر بعد.

نظر الأب إلى الصورة طويلاً، ثم طواها وعاد إلى غرفة ابنه.

لم يبكِ. لكنه منذ تلك الليلة، صار ينظر إلى وجه روني وهو نائم، ويحفظ تفاصيل عينيه قبل أن ينام هو أيضاً.

5. العملية الأولى

في الصباح، جاءت العملية.

ووقع الأب على الورقة. شعر أن قلمه يئن تحت أصابعه. ثم خرج روني بعين واحدة.

في الأيام التالية، كان الطفل يتعلم كيف يرى بعين واحدة. كان يضيّق جفنه اليسرى أحياناً، ثم يفتحها على اتساعها، كأنه يختبر كم تبقى من الضوء في العالم.

ظن الأب أن الكابوس انتهى.

اشترى لروني نظارة شمسية، وبدأ يعود إلى عمله، واشترى هدية لزوجته. كانت تلك أسعد ثلاثة أشهر في حياته.

ثم رأى روني ذات صباح وهو يمسح عينه اليمنى بإلحاح.

سأله: “بابا، ليش في ظل قدامي؟”

عادت الدنيا رمادية.

عاد الكابوس.

6. العملية الثانية

هذه المرة، كان المرض في العين الثانية. وكأن القدر لم يكتفِ بنصف المأساة.

أشار الطبيب إلى صورة الأشعة دون أن ينظر في عيني الأب.

عرف الأب الجواب قبل أن يتكلم. لم يحتج الطبيب إلى صمت هذه المرة. صمت الأب كان كافياً.

كرر الأطباء الجملة نفسها.

وكرر الأب انهياره نفسه.

وكرر التوقيع نفسه.

وحين خرج روني من العملية الثانية، كان الظلام قد أصبح وطنه الوحيد.

7. حياة بلا ضوء

مرت سنتان.

كبر روني قليلاً. تعلم أن يتحسس الجدران بيديه. أن يميز أمه من رائحتها. وأن يعرف أباه من صوته قبل أن يدخل البيت.

وُضعت له عينان تجميلتان جميلتان.

وكان كل من يراه يظن أنه يبصر.

إلا أن الليل كان يسكن خلف جفنيه إلى الأبد.

وفي كل مرة يسأله أحد الأطفال:

— ماذا ترى؟

كان يبتسم ويجيب:

— أتذكر فقط.

أما الأب، فلم يعد كما كان.

باع جزءاً من أرضه. ثم باع سيارته. ثم باع ذهب زوجته. ليس لأنه كان ما يزال يأمل شفاء روني. بل لأنه كان يخاف من شيء آخر. شيء لم يجرؤ على النطق باسمه.

8. الطفولة الثانية

في اليوم الذي حمل فيه طفله الأصغر سامر إلى الطبيب، كان عمره سنتين فقط. طفل بالكاد تعلم المشي، لكنه كان يعرف كيف يبتسم كلما رأى أخاه روني يمد يديه نحو صوته.

أشار الطبيب إلى صورة الأشعة. وصمت.

عرف الأب الجواب قبل أن يتكلم. شعر أن قلبه ينهار داخله حجراً فوق حجر.

ثم سمع الجملة نفسها. الجملة التي ظن أنه دفنها منذ سنوات.

— هناك ورم خبيث في العين.

لم يبكِ هذه المرة. لم يصرخ. لم يجادل. كان التعب أقدم من الدموع.

خرج من المشفى حاملاً سامر.

وفي الطريق سأله روني:

— بابا… لماذا أنت ساكت؟

توقف الأب. نظر إلى وجه ابنه الذي لا يرى.

ثم احتضنه بقوة. ولأول مرة منذ سنوات انفجر بالبكاء. بكى كمن خسر حرباً كاملة.

9. كلمات من الظلام

عندما هدأ قليلاً، رفع روني يده الصغيرة، وتحسس وجه أبيه. ثم مسح دموعه بأصابعه.

وسأل ببراءة:

— هل أخي أيضاً سيصبح مثلي؟

لم يستطع الأب الإجابة.

لكن الطفل أكمل بصوت خافت:

— إذا أخذوا عينيه… قل له لا يخاف. أنا سأعلمه كيف يرى.

في تلك اللحظة بالذات، أدرك الأب شيئاً لم يخطر بباله من قبل.

لم يكن السرطان قد سرق عيني روني.

بل سرق عينيه هو.

فمنذ اللحظة التي سمع فيها التشخيص الأول، كان يعيش أعمى. أعمى عن ضحكات روني التي لم تتوقف رغم العمى. أعمى عن قدرة ابنه على تمييز الناس من خطواتهم. أعمى عن الحب الذي كان يفيض من ذلك الطفل الذي لم يعد يرى الشمس، لكنه كان لا يزال قادراً على إشعالها في قلوب الآخرين.

نظر الأب إلى روني. كان يبتسم. ليس لأنه لم يفهم، بل لأنه فهم كل شيء.

همس الأب بصوت لم يسمعه أحد:

— أنا… أنا كنت الأعمى طوال الوقت. أنت وحدك من كان يبصر.

10. نافذة لا تُغلق

في تلك الليلة، جلس الأب في غرفة المعيشة في الظلام. لم يشعل الضوء. كان يحتاج أن يختبر ما يشعر به روني كل ليلة.

مرّت دقائق.

ثم شعر بشيء يلامس يده. يد صغيرة. يد سامر.

قال الطفل بصوته الصغير المبحوح:

— بابا، أنا خائف.

حمله الأب إلى صدره. ولم يخبره أن الخوف الحقيقي ليس في الظلام، بل في أن تفقد القدرة على رؤية النور في عيون من تحب.

وفي الصباح، اشترى لروني دراجة هوائية ذات ثلاث عجلات.

لم يكن يظن أنه سيركبها. لكنه كان يريد أن يسمع ضحكته.

انتهت

قد يعجبك ايضا