خالد بهلوي
التسوّل في سوريا ليس ظاهرة جديدة، بل يُعدّ واحدةً من أبرز المشكلات الاجتماعية التي تفاقمت بشكلٍ ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي في مختلف المدن. وتزداد هذه الظاهرة مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وغلاء الأسعار، وعدم التناسب بين الأجور والحاجات الأساسية للمواطن، وفقدان عددٍ كبير من الناس لمصادر دخلهم. ولم يعد التسوّل مجرد حالات فردية، بل تحوّل إلى ظاهرة واسعة تمسّ شريحةً كبيرة من المجتمع.سابقًا، كان التسوّل أمرًا مخجلًا ومحرجًا وغريبًا عن المجتمع، أما اليوم فقد أصبح مصدر رزقٍ لا بديل عنه لكثيرٍ من أبناء الشعب.
تُجبر ظروفُ الحياة الصعبة فئاتٍ متعددةً على اللجوء إلى التسوّل، أبرزهم النازحون الذين فقدوا أعمالهم، وكبار السن العجزة، والأشخاص ذوو الإعاقة، إضافةً إلى النساء والأطفال الذين يفتقرون إلى معيل. ومع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وانتشار الجوع، أصبح التسوّل وسيلةً حقيقيةً للبقاء على قيد الحياة، بعد أن كان محدود الانتشار.
وتشير المشاهد اليومية في الشوارع والأسواق وأمام المساجد والمستشفيات إلى تزايد أعداد المتسوّلين، حيث يصعب المرور دون مصادفة من يطلب المساعدة، خاصةً من الأطفال والنساء؛ فأمٌّ تحتضن طفلها، وطفلٌ يركض وراء المارة. كما يتحجّج بعضهم بأن محفظته سُرقت منه، أو أنه نسي المال في المنزل ويريد الوصول إلى منطقته.
ومؤخرًا ظهرت أنماطٌ جديدة من التسوّل، مثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لطلب المال عبر نشر صور لحالات مرضية بهدف كسب التعاطف، وهو ما يثير المخاوف من استغلال معاناة حقيقية أو التلاعب بمشاعر الناس من خلال معلومات غير دقيقة أو مزوّرة. كما يلجأ بعضهم إلى التظاهر بالإعاقة أو المرض. وقد عُرضت هذه الظواهر في أعمالٍ درامية تناولت فكرة تحقيق أرباح من التسوّل مقارنةً بوظائف تقليدية.
ويرى البعض أن بيع المحارم أو البسكويت في الشارع يُعدّ نوعًا من التسوّل المقنّع، إذ يصعب في هذه الظروف الاعتماد على هذا النشاط كمصدر دخلٍ كافٍ للعيش.وتؤثر هذه الظاهرة سلبًا في بنية المجتمع، خاصةً مع وجود شبكاتٍ منظّمة تستغل النساء والأطفال في أعمال التسوّل. وقد شهدت بعض المدن السورية، كدمشق، حملاتٍ لمكافحة التسوّل، وحملاتٍ مشابهة في مدنٍ أخرى.
إن مواجهة ظاهرة التسوّل تتطلب حلولًا شاملةً ومستمرة، من بينها تحسين الوضع الاقتصادي، وخلق فرص عمل، وتقديم دعمٍ فعّال للأسر الفقيرة، وإعادة دمج الأطفال في التعليم، إضافةً إلى مكافحة الشبكات المنظمة التي تستغل المتسوّلين. كما يُعدّ نشر الوعي المجتمعي أمرًا ضروريًا للحدّ من التشجيع غير المقصود من باقي أفراد المجتمع على التسوّل.
وفي الختام، لا يمكن اعتبار التسوّل مجرد ظاهرة عابرة، بل هو انعكاس مباشر للأزمات الاقتصادية والإنسانية التي تمرّ بها أيّ دولة. واستمرار هذه الظروف يعني استمرار الظاهرة ما لم تُعالج جذورها بشكلٍ حقيقي. لذلك، فإن الحل لا يقتصر على الحدّ من مظاهر التسوّل، بل يتطلب بناء بيئة اقتصادية واجتماعية تحفظ كرامة الإنسان وتوفّر له سبل العيش الكريم، من خلال تأهيل القادرين على العمل وتوفير فرصٍ حقيقية تُغنيهم عن الحاجة إلى التسوّل.