تزرين يعقوب سولا
من الملفات التي أثارت النقاش مؤخرًا في العراق، قضية تمديد سن التقاعد إلى 63 سنة، وهي خطوة يراها البعض ضرورة إدارية ومالية، بينما يراها آخرون عبئًا جديدًا على الدولة والمجتمع وفرص الشباب.
إن أي قرار يتعلق بقانون التقاعد يجب يرتبط بسوق العمل، والاقتصاد، والإدارة، وتجديد مؤسسات الدولة، وحتى بالحالة النفسية والاجتماعية للمجتمع.
ولهذا فإن اتخاذ مثل هذه القرارات بطريقة متسرعة أو متغيرة مع تغيّر الحكومات يخلق حالة من عدم الاستقرار والتخبط وضعف الثقة بالتخطيط الحكومي طويل الأمد.
المؤيدون لفكرة التمديد يرون أن بقاء الموظف مدة أطول قد يخفف الضغط المالي على صندوق التقاعد، ويحافظ على الخبرات داخل المؤسسات، خصوصًا في بعض التخصصات النادرة.
وهل المشكلة الحقيقية في خروج الموظفين إلى التقاعد؟ وهل تعطلت مؤسسات الدولة بسبب تقاعد كبار السن فعلًا؟
الواقع العملي يشير إلى أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فالكثير من دوائر الدولة تعاني أصلًا من الترهل الإداري وضعف الإنتاجية، وليس من قلة الموظفين ذوي الخبرة.
كما أن الإبقاء على الموظفين لفترات أطول يعني عمليًا تقليل فرص التعيين أمام الشباب، في بلد يعاني أصلًا من نسب بطالة مرتفعة بين الخريجين.
الشباب اليوم يمتلكون أدوات مختلفة، وقدرات أكبر على مواكبة التكنولوجيا والإدارة الحديثة والأنظمة الرقمية، وهي أمور أصبحت أساسًا في بناء الدول المعاصرة.
بينما ما تزال نسبة من الكوادر القديمة تعاني من ضعف في التعامل مع التطور التكنولوجي والتحول الرقمي، الأمر الذي ينعكس على سرعة الإنجاز وكفاءة العمل المؤسسي.
ولا يمكن إنكار قيمة الخبرة، لكن الخبرة وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع القدرة على التطور والتكيّف مع متطلبات العصر. فالدولة الناجحة لا تُدار بالعمر فقط، بل بالكفاءة، والتجديد، والمرونة، والاستفادة من الطاقات الجديدة إلى جانب الخبرات المتراكمة.
اقتصاديًا أيضًا، فإن تأخير إحالة الموظفين إلى التقاعد لا يعني بالضرورة إنقاذ الخزينة أو تحسين الوضع المالي للبلد، وبحسب المصادر فإن الأزمة الاقتصادية العراقية مرتبطة ببنية الاقتصاد الريعي، وضعف التنوع الاقتصادي، والفساد الإداري، وسوء التخطيط، أكثر من ارتباطها بعمر الموظف الحكومي.
ثم إن الاستمرار بتغيير قوانين التقاعد بين فترة وأخرى يخلق حالة من القلق وعدم وضوح الرؤية لدى الموظفين، ويجعل التخطيط الشخصي والمهني أمرًا صعبًا.
لذلك فإن مثل هذه القوانين يجب أن تُبنى على دراسات سكانية واقتصادية وإدارية دقيقة.
إن الدول التي تسعى إلى بناء مؤسسات قوية لا تعتمد فقط على إطالة سنوات الخدمة،
وإن تمديد سن التقاعد قد لا يكون الحل الذي يخدم البلد على المدى البعيد، إذا لم يكن جزءًا من رؤية إصلاحية متكاملة وواضحة وثابتة. فالعراق اليوم لا يحتاج فقط إلى إبقاء الموظف مدة أطول، بل يحتاج إلى إدارة حديثة، وخطط بعيدة المدى، وقرارات مدروسة تُبنى على الكفاءة والمصلحة العامة، لا على الاجتهادات المؤقتة أو المزاج السياسي المتغير.