بغداد وأربيل: الشراكة الحقيقية كمدخل إلزامي لبناء الدولة العراقية الحديثة

أ.د.خليل مصطفى عثمان

تُثبت قراءة التاريخ السياسي المعاصر للعراق أن محاولات بناء دولة مركزية قائمة على تهميش أو إقصاء أي من مكوناتها الأساسية، لم تنتج سوى الدورات المتتالية من الأزمات والحروب الاستنزافية التي دفعت ثمنها أجيال من العراقيين. واليوم، يتضح أكثر من أي وقت مضى أن نجاح الدولة العراقية الحديثة واستقرارها المستقبلي لا يكمن في فرض الإرادات أو التلويح بمركزية أحادية، بل في الإشراك الفعلي والحقيقي لإقليم كوردستان في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والاستراتيجي للعراق، كشريك كامل الحقوق والواجبات في الوطن.
إن أولى خطوات هذا النجاح تبدأ من تفكيك العقد الهواجسية القديمة، والتخلص من “فوبيا كوردستان” أو التوجس من قوته واستقراره؛ فقوة الإقليم وازدهاره هما قوة وسند للعاصمة بغداد وبقية المحافظات وليسا خصماً منها. ومن هنا، يبرز التحدي الأكبر أمام صانع القرار في بغداد، وهو صناعة بيئة وطنية جامعة تجعل المواطن الكوردي يشعر بوجدانه وواقعه اليومي أنه لا فرق بين بغداد، والبصرة، والسليمانية، وأربيل؛ شعورٌ ينبع من نيل الحقوق والمواطنة المتساوية دون تمييز أو تضييق اقتصادي، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بالحفاظ الصارم على خصوصيات المكونات العراقية كافة، واحترام هوياتها الثقافية والتاريخية كعناصر إغناء وإثراء للهوية الوطنية الجامعة، لا كمهددات لها.
ولعل الطريق الأقصر والأكثر أماناً للوصول إلى هذا الاستقرار هو الالتزام الحرفي والعمل الفعلي بنصوص الدستور الدائم؛ هذا الدستور الذي صوّت عليه العراقيون وجعلوا منه عقداً اجتماعياً وسياسياً يضمن النظام الاتحادي الفيدرالي. إن تفعيل مواد الدستور دون انتقائية، وحسم الملفات العالقة وفقاً لروحه، يمثل الضمانة الوحيدة لعدم الانزلاق مجدداً نحو المركزية المقيتة. وهنا تبرز الحاجة الملحة للاستفادة من التجارب السابقة القاسية، وعدم الوقوع في ذات الأخطاء التاريخية التي كلفت البلاد هدر الطاقات والأرواح نتيجة لسياسات الإقصاء والتفرد. إن النضج السياسي يفرض اليوم تحويل الاستقرار السياسي في الإقليم إلى منطلق لتطوير العراق بأكمله، عبر الاستفادة القصوى من الثروات الإنسانية والخبرات الإدارية والاقتصادية والأمنية التي بناها الإقليم على مدى العقود الثلاثة الماضية، وتوظيفها كرافعة حقيقية لنهضة وتطوير المؤسسات العراقية كافة.
في سياق هذه الرؤية والبناء الاستراتيجي، تأتي الزيارة الأخيرة لرئيس حكومة إقليم كوردستان، السيد مسرور البارزاني، إلى العاصمة بغداد، لتمثل نقطة تحول جوهرية وفرصة تاريخية سانحة لفتح صفحة جديدة ومستدامة من التعاون المشترك. إن هذه الزيارة، بما حملته من حوارات مباشرة ولقاءات مكثفة مع القيادات السياسية والتنفيذية، تعكس إرادة سياسية حقيقية من جانب أربيل لتصفير الأزمات وصياغة تفاهمات عملية تستند إلى المصلحة الوطنية العليا وتحت سقف الدستور. إنها فرصة تاريخية أمام القوى السياسية في بغداد لالتقاط هذه المبادرة، وتحويل التفاهمات الحالية إلى سياسات مستدامة ومؤسساتية، تؤسس لعراق ديمقراطي اتحادي قوي، يتسع لجميع أبنائه، وينهض بثرواتهم المشتركة نحو مستقبل آمن ومزدهر.

قد يعجبك ايضا