د.حسام ممدوح
بات من الواضح أن الإطار التنسيقي يعيش اليوم إنقسامًا كبيرًا بين القوى المكوّنة له، وأن جلسة التصويت على الكابينة الوزارية أظهرت بما لا يقبل الشك أن الإطار لم يعد موحّدًا كما تشير التسمية لذلك.
فالقوى السياسية المكوّنة لهذا التكتل النيابي دخلت ولأول مرة منقسمة الموقف لجلسة مجلس النواب للتصويت على الوزارة الجديدة، بعد أن كانت مضرب المثل في الوحدة والانسجام.
ولنستبين خطورة الموقف أكثر علينا أن نتذكّر، أن الإطار التنسيقي هو الوريث الشرعي للإئتلاف الوطني الموحد، ذلك التكتل السياسي الذي تشكّل إبان انتخابات العام 2005 وكان في وقتها يمثل الواجهة السياسية للمكوّن الشيعي، ومنذ ذلك اليوم والقوى السياسية الشيعية تضفي على عملها حالة من القداسة بإستدعاء الرموز والصور والشعارات الدينية بما يحيط التكتل الشيعي بهالة تجعل من الصعوبة بمكان انتقاده أو الإنتقاص من أداءه السياسي.
وظل التكتل السياسي الشيعي قويًا طيلة السنوات السابقة، وظل مضربًا للمثل في وحدة المواقف وتنسيقها، فحتى التحالف الكردستاني الذي لطالما وصف بالمهارة السياسية ومركزية القيادة شهد خلال الدورتين الانتخابيتين الأخيرتين تباينًا في المواقف أثّر على طبيعة أداءه السياسي.
أما العرب السنّة فلم ينجحوا في تشكيل كتلة سياسية موحدة على غرار الإطار التنسيقي منذ العام 2003 ولغاية اليوم، وحتى جبهة التوافق التي شكّلت إبان انتخابات العام 2008 لم تنجح في الاستمرار وتفكّكت بعد دورة انتخابية واحدة.
لكن الائتلاف بقي قائمًا وإن تغيّرت التسمية، ومع أن التيار الصدري إتخذ موقفًا مستقلاً عن الائتلاف الموحد، إلاّ أن بقية القوى المكوّنة للإئتلاف كانت حريصة على استمرار عمله وإن تغيّرت تسميته واختلفت أوزان القوى المكوّنة له.
ففي الدورة الانتخابية من العام 2022 حاولت إحدى القوى السياسية المضي بتشكيل حكومة بعيدًا عن التحالف السياسي الشيعي، وذلك بتشكيل كتلة تتكوّن من (الحزب الديمقراطي الكردستاني، التيار الصدري، تحالف تقدّم)، إلاّ أن وحدة موقف الائتلاف -الذي أصبح يسمى الإطار التنسيقي منذ ذلك الحين- أفشلت المشروع، واضطر التيار الصدري لاتخاذ قرار العزلة السياسية وقدّم نوابه الـ(73 نائب) للاستقالة من مجلس النوّاب، واستمر الإطار حاكمًا لولاية جديدة.
لكن الأمر اليوم مختلف، وبات واضحًا منذ إعلان نتائج الانتخابات أن حجم التقاطع بين قوى الإطار كبيرًا جدًا، فالإطار الذي وعد بتقديم مرشحه لرئيس مجلس الوزراء خلال أيام بعد الانتخابات كاد أن يتجاوز المدة الدستورية بعد أن عجز عن الوصول لشخصية واحدة ترشّح لرئاسة الحكومة.
وخلال هذه المدة شهدنا حملات إعلامية واتهامات وتحريض علني لهذا الطرف وذاك، في ظاهرة غير مسبوقة على المشهد السياسي، وحتى السيد علي الزيدي الذي قدّم مرشحًا عن الإطار لرئاسة الحكومة لازالت الشكوك تدور حول الطريقة التي وصل بها الزيدي لهذا المنصب، ومدى اتفاق قوى الإطار عليه.
مشهد الإنقسام كان واضحًا بشكل كبير عندما فشل مرشحي كتلة دولة القانون -التجمّع الأقوى داخل الإطار التنسيقي- لوزارتي الدفاع والتعليم العالي من الحصول على ثقة مجلس النواب العراقي خلال جلسة التصويت على الكابينة الوزارية في مشهد غير مألوف على مستوى الساحة السياسية العراقية سابقًا، ليجسّد حالة الإنقسام الكبيرة بين قوى الإطار.
الخلاف اليوم لم يعد سرًّا خافيًا، فهناك حركة صادقون والحكمة وتحالف الإعمار والبناء الذي يرغب في المضي بإكمال الكابينة الوزارية بمقابل كتلة دولة القانون وحركة بدر والقوى الممثلة للحشد الشعبي التي باتت تهدّد علنًا بإيقاف مسار تشكيل الحكومة باستخدام الوسائل القانونية عبر الطعن بجلسة التصويت على الحكومة وطريقة إدارة السيد هيبت الحلبوسي لجلسات مجلس النواب.
فيما التخوّف الأكبر يمكن اليوم في أن يتحوّل الخلاف السياسي لإستخدام وسائل عنف تمتلكها الأطراف المتقاطعة ضمن قوى الإطار، لاسيما في ظل تحرّك أميركي نحو استيعاب الفصائل المسلحة ضمن تشكيل أمني جديد واتخاذ إجراءات مباشرة لنزع سلاحها وحصر السلاح بيد الدولة..
المشهد اليوم مفتوح على مختلف التوقعات، ويبقى الحسم مؤجلاً لما بعد عيد الأضحى.. (وإن غدًا لناظره لقريب).