أصحاب الظل في زمن التسويق الثقافي أو (المسوگجية)

نبيل عبد الأمير الربيعي

في زمن باتت فيه الثقافة جزءاً من سوق مفتوح، لم يعد إنتاج المعرفة فعلا خالصا للبحث والتأمل، بل تحول في بعض تجلياته إلى عملية تدوير وتسويق لا تخلو من اقتناص سريع لما يقوله الآخرون. وهنا يظهر نمط من بعض نقاد الأدب، يطلق عليهم في التداول الشعبي اسم (المسوگجية)، الذين لا يصنعون المعرفة بقدر ما يتسوقونها من أفواه الآخرين عبر الحوارات والمجالس والندوات، ليعاد لاحقا تشكيلها في مقالات تنشر في الصحف المحلية، فتبدو وكأنها إنتاج نقدي أصيل، بينما هي في جوهرها إعادة تدوير لآراء الآخرين، تقدم باسم كاتب المقال لينال بها (أجر الكتابة) لا جهدها الحقيقي.
أولئك الذين يستمدون وجودهم وقيمتهم من انعكاسات زائفة لواقع غير حقيقي، يشبهون إلى حد بعيد سجناء كهف أفلاطون؛ حيث يعيش الإنسان داخل ظل لا يعرف مصدره، لكنه يطمئن إليه لأنه مألوف. هكذا تتشكل صورة (صاحب الظل) الذي يكتفي بالقشور ويستعيض بها عن الحقيقة، تماما كما يكتفي بعض (المسوگجية) بظل الأفكار المنقولة بدل مواجهة أصلها.
فطالما كان الإنسان كائنا باحثا عن المعنى، تحكمه رغبة عميقة في الوصول إلى الحقيقة، فإن هذا المسار نفسه يخلق دائما من يفضل الطريق الأسهل، طريق الاستعارة بدل الاكتشاف، والنقل بدل الإنتاج، والتلقي بدل المواجهة. وهنا تتقاطع سيكولوجية الهروب من الحقيقة مع سيكولوجية (التسوق الثقافي)، حيث تتحول المعرفة إلى بضائع جاهزة تجمع من أفواه الآخرين ثم تعاد تغليفها في نصوص تبدو نقدية.
يقول أرسطو: (إن الإنسان بطبعه يميل إلى المعرفة)، لكن الواقع يكشف أن الإنسان قد يميل أيضا إلى تجنب الألم، وألم الحقيقة هو الأشد. لذلك يهرب (صاحب الظل المزيف) إلى عالم جاهز من الأفكار المعلبة، بينما يكتفي (المسوگجي) بتجميع هذا العالم من مصادره الحية دون أن يلمسه تفكيرا أو مساءلة.
وفي هذا السياق، يمكن استدعاء مفهوم (الوعي الزائف( في الفلسفة الماركسية، حيث يغيب الإنسان عن إدراك واقعه الحقيقي، ويدفع إلى الاكتفاء بتمثلات سطحية تخدم منظومات إنتاج ثقافي وإعلامي. وهكذا يتغذى بعض المتلقين على فتات معرفي، بينما يقدم بعض النقاد هذا الفتات نفسه في قوالب مقالات جاهزة، ليبدو وكأنه إنتاج فكري مستقل.
إن اغتراب الكينونة وسقوط المعنى لا يتجلى فقط في المتلقي، بل يمتد أيضا إلى بعض من يفترض أنهم وسطاء معرفة. فبدل أن يكون الناقد فاعلا في إنتاج الوعي، يتحول إلى ناقل له، أو جامع مواد من الآخرين، يعيد توزيعها دون هضم فكري حقيقي. وهنا يصبح الخطر مزدوجا؛ تفاهة في الاستهلاك، وتفاهة في الإنتاج.
وقد تنبه الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز إلى أن الإنسان لا يتحقق إلا بمواجهة (الوضعيات الحدية) كالمعاناة والموت والقلق. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين المثقف الحقيقي وبين صاحب الظل المزيف: الأول يشتبك مع السؤال حتى حدود الألم، أما الثاني فيكتفي بظل السؤال دون أن يخوض فيه، تماما كما يفعل (المسوگجي) حين يستبدل التجربة بالسماع، والفكر بالنقل.
إن التحرر من هذا النمط يبدأ من تفكيك وهم المعرفة الجاهزة، سواء لدى المتلقي أو لدى من يتقمص دور الناقد. فالثقافة ليست سوقا للتسوق، ولا النص النقدي مجرد تجميع لمقولات الآخرين، بل هو موقف ومسؤولية وإعادة إنتاج للفهم.
لذلك، فإن دعوة الخروج من الكهف هنا ليست فلسفية فقط، بل نقدية أيضا؛ دعوة لكسر دائرة الظل، سواء كان ظل الجهل أو ظل النقل. فالنور الحقيقي قد يؤلم العين التي اعتادت العتمة، لكنه الشرط الوحيد لرؤية الأشياء على حقيقتها، بعيدا عن أقنعة التسويق الثقافي وممارسات (التسوّق النقدي).
وفي النهاية، فإن التمرد على الظل المزيف، وعلى ثقافة الاستنساخ المعرفي، هو الخطوة الأولى لاستعادة المعنى؛ أن يتحول الإنسان من متلق أو ناقل للصور إلى صانع للفكر، لا مجرد عابر بين ظلال الآخرين.

قد يعجبك ايضا