سمير السوره ميري
تفتح الطرق إذرعها لمن يمتلك الإرادة، فهي ليست مجرد ممرات تمتد فوق الأرض، بل شرايين الحياة التي تصل الإنسان بأخيه الإنسان، وتربط القرى بالمدن والحاضر بالمستقبل، ومنذ أن رفع الإنسان رأسه نحوا الأفق، أدرك أن الطريق ليس عبورا فحسب، بل معنى من معاني الحضارة، لأن الأمم لا تُعرف بما تبنيه من الجدران، بل بما تشقه من طرق تصل بها الناس بالحياة.
فالطريق ليست حجارة تُرص ولا قارًا يُسكب فوق الأرض، بل هي فعلٌ من أفعال الوعي الاجتماعي، وصورة من صور الإرادة الجماعية التي تجعل من العيش المشترك ممكنا، إنها تبدأ من رغيف الخبز الذي ينتقل، ولا تنتهي عند المصير المشترك الذي يتكون، فالطريق لا يحمل المركبات وحدها، بل يحمل الأفكار وينقل المعرفة ويقرب القلوب ويصنع الشعور بأن الناس وإن تباعدت ديارهم فهم أبناء مصير واحد.
إنّ شق الطرق ليس مجرد عمل هندسي لتسوية الأرض، بل هو فعل فلسفي عميق تُعلن به الأمم إرادتها في كسر العزلة، هو فعلُ حضاري يفتح الأفق للحياة، هو مقاومة الفراغ والإنتصار على المسافات، وكما قيل في معنى الحكمة الطريق هو أول خطوة في بناء الحضارة، لأنّ الحضارة لا تبدأ من الأبراج العالية، بل تبدأ من قدرة الإنسان على الوصول.
وقد أدرك الأدباء والمفكرون هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، فقد رأى ليوتولستوي أن الطريق تجمع ماتفرقه المسافات، وتقرب الإنسان من الإنسان،لأن البعد الجغرافي ليس أخطر ما يواجه البشر، بل أخطر منه أن يبقى الإنسان معزولا عن أخيه، وقال فيكتور هوغو في معنى الحضارة: حيث يصل الطريق يصل الضوء، لأن الطريق لا ينقل الناس فقط بل ينقل المعرفة، ويبدد ظلمة العزلة والجهل، قالوا أن الطرق ليس مجرد خدمة عامة، بل شاهد على قوة الدولة وحسن إدارتها، ورأى كونفوشيوس أن تهيئة الطريق للناس من عمل الحكمة، لأن الحكمة ليست أقوالا مجردة، بل أفعال تجعل حياة الناس أيسر وأقرب إلى الخير، وفي تأمل للحياة، نجد أن كل طريق مفتوح هو دعوة إلى حياة أوسع، لأن الطريق في رمزيته ليس ممرًا على الأرض فقط، بل اِنفتاح على الممكن وخروج من ضيق إلى سعة المعنى، وأرى جمال الطرق من جمال الحكمة التي خططت ونفذت.
ولذلك فإنّ شق الطرق ليس مجرد مسار للاِقتصاد والتنمية والاِستقرار الاِجتماعي، بل هو تجلٍّ لحقيقة فلسفية عميقة: أنّ الحياة لا تزدهر في العزلة، فكل حضارة تبدأ بفكرة، وكل فكرة تحتاج إلى وسيلة تعبر بها إلى الناس، وكل مستقبل يبدأ بخطوة وكل خطوة تحتاج إلى طريق.
وقد قامت فلسفات سياسية وتنموية على هذا المعنى، ففي رؤية ماو تسي تونغ لشق الطريق في المناطق النائية، لم يكن الطريق مجرد مشروع هندسي، بل رمزا لفكرة تقول إنّ التغير لا يبدأ دائما من المدن الكبرى، بل قد ينطلق من الأطراف البعيدة والريف المنسي، فالطريق في هذا المعنى ليس إسفلتًا فقط، هي إرادة تحول العزلة إلى حركة والجمود إلى اِنتاج والتهميش إلى حضور.
إنّ جمال الطرق ليس جمالا هندسيا فحسب، بل هو صورة ظاهرة من حكمة القيادة وحسن التدبير، فالطريق الجميل ليس قارًا مرصوفا على الأرض، بل فكرة تجسدت وإرادةٌ أخذت شكلًا، وحكمةٌ تركت أثرها في المكان.
وحين يتأمل المرء طرق كوردستان وهي تشق الجبال وتنساب بين السفوح، يدرك أنّ الطريق ليس مجرد ممر يعبره الناس، بل لوحة فنية مرسومة على الأرض، بريشة قيادية حكيمة تفننت وأبدعت، وهي تحمل إرادة إنسانية التي رفضت أن تستلم للعزلة، واِختارت أن تجعل من الجبل طريقا، ومن الطريق حياة.
فالطرق في نهاية الأمر ليست معابر للأقدام وحدها، بل هي مرايا للحضارات تكشف مقدار ما في الأمم من حكمة، وما في القيادة من رؤية، وما في الإنسان من إرادة لا تعرف المستحيل.