كادحٌ إلى النور

سمير ميراني

في أعماق كل إنسان بذرة دفنها الله في أرض الفطرة وأودعها سر النماء، لكن كم من إنسان يمشي فوق بذرته دون أن يعلم، يحمل كنزه ولا يراه، ويبحث عن النور وهو يقف في ظل قيوده.
وأشد القيود خداعاً ذلك الذي يرتدي ثوب الحقيقة، حين يتحجر الفهم الإنساني ويلبس رداء القداسة، فيُقدّم ما وضعه البشر يوماً على أنه الحكم الأخير الذي لا يُساءل، وتتحول الخدمة الطوعية للناس إلى حجرٍ فوق البذرة يمنعها من النبت، والعلم وحده يطاع لخدمة الإنسانية ، لا الفهم المتحجر الذي صار سجناً للروح، يحرسه صاحبه ظانّاً أنه يحرس الحقيقة .
وفي هذا الجفاف يجد الفساد أرضه الخصبة، يغرق المشهد بالخطيئة ليعطّل حجج العقول، ويوهم الناس أن التطهر لا يكون إلا بمزيدٍ من الدنس، والفاسد بشر فرّ من نفسه الإنسانية إلى عالم الخيال، وغرّه وهمه بأنه فوق الحساب، (يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم)، غير أن الخالق لا يحابي أحداً ولا ينسى أحداً (يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه)، فكلٌ سائرٌ إلى لقاء ربه، صالح كان أم فاسد وتلك هي المعادلة التي لا تتبدل.
وحين يصمت الضجيج ويخلو الإنسان إلى نفسه، يجد في أعماقه صوتاً قديماً لم يمت، هي الفطرة تناديه (فطرت الله التي فطر الناس عليها) ذلك الصوت الذي يعرف بلا تعليم، أن الظلم قبيح وأن الرحمة جميلة وأن الإنسان الآخر ليس غريماً، إنما شريك في هذا العناء الجميل، فحين يسمع الإنسان هذا الصوت ويأتمر به، لا يحتاج أن يقال له كيف يعامل أخاه لأن قلبه يعرف.
وتلك هي لحظة الرشد حين تشق البذرة الأرض الصلبة، وترى النور أول مرة، إذ إن الإنسان لا يبلغ رشده بكثرة الحفظ ولا بثقل الكتب، بل حين يفرّق بين ماهو لله وماهو للعباد، وبين ماهو ثابت وماهو متحول، وعندما يمنح الآخر ما يتمناه لنفسه دون أن يكلّف، عندها يرتاح الضمير وتعلو المعرفة ويغدو اللطف سلوكاً لا تكلّفاً (أحسن كما أحسن الله إليك) ويقف الإنسان أمام ربه حراً واعياً، تشرق البذرة شجرةً وتقول(ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً).

قد يعجبك ايضا