د.عيسى الموسوي
لم تنهر الحضارة الغربية يوم عجزت عن بناء القوة، ولم تنهر يوم دخلت الحروب، بل انهارت يوم فقدت قدرتها على إقناع العالم بأخلاقها. كل شيء كان يمكن تبريره، إلا هذا الكمّ الهائل من التناقض. لسنوات طويلة أغرقنا الغرب بالكلام عن حقوق الإنسان، وحرية المرأة، وحماية الطفل، والعدالة؛ باعتبارها جزءاً من منظومتهم الأخلاقية التي تأسست عليها حضارتهم.
وقد أُدخلت هذه المفاهيم في السينما والرواية والمسرح، حتى صدّقنا هذه المنظومة الأخلاقية، وكثيرون اقتنعوا أن الحضارة الغربية هي المدينة الفاضلة التي حلم بها أفلاطون.
لكن خلف تلك الخطب اللامعة، كان هناك شيء متعفن يختبئ في الظل. جزيرة “إبستين” لم تكن مجرد فضيحة عابرة، بل كانت لحظة انكشاف مرعبة. هناك، سقطت كل الأقنعة دفعة واحدة؛ سياسيون، رجال أعمال، مشاهير، وأصحاب نفوذ… عالم كامل كان يتحدث عن حماية الطفولة نهاراً، ثم يدفن براءتها ليلاً خلف أبواب مغلقة وجزر معزولة.
أي حضارة هذه التي تُقيم المؤتمرات عن حقوق الطفل، بينما تتحول أجساد القاصرات فيها إلى سلعة للمتعة والنفوذ؟ أي إنسانية يمكن أن تبقى بعد هذا الخراب؟ ثم جاءت غزة لتكمل المشهد. أطفالٌ يُنتشلون من تحت الركام، أمهاتٌ يصرخن بأسماء أبنائهن وسط الغبار، وجوه صغيرة مغطاة بالدم والرماد، والعالم الغربي نفسه، الذي لم يكن يصمت يوماً عن “الإنسانية”، وقف بارداً كأن الموت هناك مجرد خبر عابر.
انتحرت شعارات حقوق الإنسان تحت الأنقاض، واحترقت مواثيق حماية الطفل مع الخيام، وسقطت صورة “العالم المتحضر” أمام كاميرات نقلت الحقيقة بلا رتوش. وحين اشتعلت مدرسة في إيران، ما أسفر عن مقتل 168 طالبة ومعلّم، وتهدمت المدرسة بالكامل، مرّت الفاجعة مرور الكرام. لم نعد نسمع عن حقوق الإنسان ولا حماية الأطفال، ولم نعد نسمع المحاضرات الأخلاقية؛ الصمت وحده كان يتكلم.
هذه ليست أخطاء سياسية عابرة، بل حكاية حضارة كاملة وصلت إلى نهايتها الأخلاقية. حضارة تتقن صناعة الشعارات أكثر من حماية البشر؛ تبكي أمام الكاميرات على امرأة في مكان، ثم تبرر قتل ألف امرأة في مكان آخر. تغضب لطفل بسبب اعتقاله، وتصمت عن أطفال يُدفنون جماعياً بلا ذنب.
الحقيقة القاسية أن الغرب لم يخسر صورته أمام خصومه، بل خسرها أمام الناس العاديين الذين كانوا يصدقون أن هناك شيئاً اسمه “ضمير عالمي”. اليوم، كثيرون لم يعودوا يرون تلك الحضارة كرمز للإنسانية، بل كظاهرة صوتية تجيد الكلام عن الفضيلة، بينما تتعايش مع أبشع صور النفاق.
هذه هي الحكاية الأخيرة للحضارة الغربية؛ ليست حكاية قوة أو تقدم أو علم، بل حكاية سقوط أخلاقي مدوٍّ، سقطت فيه الشعارات أولاً، ثم سقطت الأقنعة بعدها.